للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٣ - طاغور وغاندي بين الشرق والغرب]

للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي

بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، أراد طاغور أن يقوم بعمل إيجابي يحقق به آماله غي وحدة العالم، فذهب إلى أوربا ليجول بين بلدانها ويدعو شعوبها إلى التفاهم والتآلف والتآزر، ويحضها على إقامة وحدة دولية تضم مختلف شعوب العالم، وتريح البشر مما يعانيه من قلق وإضطراب وخوف، ولكن هاله أن يسمع عن الهند، وهو في أوربا التي يدعوها إلى التعاون، أنها تنادي باللاتعاون مع الغرب، وفزع لما رجع إلى بلاده ووجد غاندي يعلم الهنود محاربة الاستعمار الإنجليزي بالعصيان المدني، وعدم طاعة القوانين الضارة بالبلاد، وتحاشى التوظف في المناصب الحكومية سواء أكانت قضائية أو عسكرية، ويشجع الهنود على استعمال المغزل اليدوي ومقاطعة المنسوجات الأجنبية وحرقها حتى لا تحتاج الهند لمساعدات خارجية، ويطالب التلاميذ بهجرة المدارس الحكومية، ويناشد رجال العلم بتدريس تراث الهند الروحي القديم في المدارس والجماعات وإهمال تدريس الثقافات الغربية. فلم يرض طاغور عن اسلوب غاندي في المقاومة السلبية وأقلقه ذلك التغيير الذي أحدثه في أفكار الهنود، وأخذ يتفقد طرق نضاله مع الإنجليز بالرغم من تقديره لسمو نزعاته الروحية، واحترامه لنبل مقاصده الوطنية، وإدراكه لمغزى جهاده السلبي.

ولقد بدأ طاغور نقده لغاندي بإعلان استيائه من اشتغاله بالسياسة، وأسفه على استغلاله الدين في أمور الدنيا، واستعانته بالقوى الروحية في حل القضايا السياسية، والمشاكل الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية؛ وكان يود أن يظل غاندي - ذلك النموذج الكامل للقوة المعنوية، والبطل المقدس التي تضرب سيرته مثلا أعلى للحياة الروحية الفاضلة - بعيداً عن الألاعيب السياسية، محافظاً على رفعة حياته الروحية من قذارة الأساليب السياسية الخبيثة، غير معرض نفسه لتقلب أهواء السياسيين الدهاة، حتى لا يؤذي مقوماته النفسية، أو يضعف قواه الروحية. وكذلك عاب طاغور على غاندي تفريطه في ثروة الهنود الروحية وبذلها رخيصة في سوق الحياة العملية، واستخدامها استخداماً خطراً على نزعات الهنود في مقاومة الإنجليز، وحزن لجناية غاندي على روحية الهنود، وتألم، لأنه حول القوة المعنوية التي تفتخر الهند بحوزتها من قديم الزمن إلى قوة عمياء تسخرها العواطف

<<  <  ج:
ص:  >  >>