للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[مع ميخائيل نعيمه في (زاد المعاد)]

للأستاذ مناور عويس

(غداً ستغمرنا لجة العدم بأحزابنا وأوصابنا، بجائعنا ومتخومنا، بفقيرنا وموسرنا، بوجيهنا وحقيرنا، وستقوض الأيام أركان ما شدناه من البنايات السياسية والاقتصادية فلا يبقى إلا الخالد والجميل والحق فينا. . . ومن ذا الذي يبقى ليخبر عن الخالد والجميل والحق فينا أن لم يكن ابن الأدب والفن؟!)

(نعيمه)

لك الله يا ميخائيل كم لك على من يد بيضاء!

في الثالث والعشرين من حزيران سنة ١٩٤٧ فجعني الموت بابن أخي (جمال نوري عويس) فرحت التمس العزاء في الشعر العربي القديم منه والحديث - فقد كان الأدب وما زال هو الملجأ والمعاذ الذي أهرب إليه في الأزمات والملمات - فماذا وجدت؟ وجدت شعراً مفجعاً مؤثراً غير أنه فردى لا يصلح لكل إنسان ولا يسمو به فوق المكان والزمان، اللهم إلا رائعة رهين المحبسين الخالدة وهل أعني سوى (غير مجد)؟.

وإذا بيدي تمتد إلى (زاد المعاد) فأفتحه وإذا بي أقع على هذه الآيات في الموت والحياة:

(وعندي أن من ينوح على ميت إنما ينوح على الله، ومتى كان الله في حاجة إلى نوحكم ونوحي؟ أو ليس الله حيا من الأزل وإلى الأبد؟ إذن كل ما ينبثق منه يحيا بحياته مهما تبدلت أحوله وكيفما تغيرت أشكاله، والذي يقول أن الأموات بادوا واندثروا إنما يقول أن الله الذي كان وما يزال حياً فيهم قد باد واندثر.

والذي يؤمن بأن الموت رب الحياة أحرى به أن يعبد الموت ويكفر بالحياة، والذي يبصر في الموت نهاية الحياة إنما هو ضرير لا يبصر الحياة ولا الموت!. . .

فما بالنا ونحن الذين حصرنا الزمان بين المهد واللحد نقبل على المهد ونهرب من اللحد، وما المهد إلا طريق اللحد وبابه؟!

ما بالنا نلثم اليد التي كتبت ونعض اليد التي خطت الخاتمة، واليد التي خطت الخاتمة هي عين اليد التي كتبت الفاتحة؟ أن تكن خاتمة العمر شراً فالفاتحة التي تؤدى إليها شر مثلها. وإذا ذاك أحرى بنا أن ننوح على من يولد قبل أن ننوح على من يموت.

<<  <  ج:
ص:  >  >>