للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأدب والفن في أسبوع]

مات الزين

مات أحمد الزين! فكان موته فجيعة الأدب في الشاعر الكبير ووجيعة القلب في الصديق الكريم، ومأساة الأسرة في العائل الراحل.

أما الصديق الكريم فقد غشينا من الأسى لفقده ما غشينا. وتلاقينا بعد نعيه وكان الواحد منا يقول لصاحبه: مات الزين! ويكاد يجهش لولا التجلد والتجميل. ونطرق صامتين برهة. . ثم تتلاقى نظراتنا كليلة منداة. . وفي نفس كل منا ما فيها من المشاعر والخواطر، وكلها تدور حول ذلك الفقيد الذي ظل حياته ينفح بأدبه وينافح بجلده، حتى صرعه الموت، بعد أن عرقته العلة، وأستنفد العلاج القليل المدخر، ولم يبق إلا الصغير اليتيم الذي لم يكد يضع قدمه الغضة على عتبة المدرسة. . .

صفحة للتاريخ الأدبي:

كان الزين من أعلام الشعر في هذا العصر، وكان يستمد شعره من نبع فياض هو نفسه الشاعرة، وكان يجل فنه ويقدسه، فلم يقصد به إلى منفعة، ولم يتوسل به إلى كسب. كان يقول الشعر يصور به نفسه ويعبر عن مشاعره، فقال كثيراً في الغزل العاطفي الرقيق، الذي يدل على عاطفته القوية الصادقة التي تتجلى أيضاً في رثائه لأصدقائه الراحلين. والمستوعب لشعره يجد العاطفة هي السلك الذي ينتظم حباته، ومن ذلك قصر مدائحه على أصدقائه من كبار الرجال، وله خواطر ألمعية في نقد المجتمع وأحوال الناس، كان يصوغها صياغة فنية بارعة. ولعل آخر مطولاته القصيدة التي قالها في ذكرى أحمد تيمور باشا سنة ١٩٤٥ ومطلعها: -

ذكرى على صدق الوفاء دليل ... يمضي بها جيل ويقبل جيل

وفيها يقول:

لا تبك من عاش عمراً واحداً ... إن التراب على التراب مهيل

هل عاش أو هل مات لا تسأل به ... فمماته بحياته موصول

ما زاد عن تعب الولاد لأمه ... والناس وهو إلى الثرى محمول

ومن البلية أن أكثر من نرى ... في الناس ذاك العائش المتكول

<<  <  ج:
ص:  >  >>