للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[نفاق المخلص]

للأستاذ ثروت أباظه

رجل أصابه الدهر بنكبات تصيب إحداها الشديد فتصرعه، غير أنه كان أقوى من الشدة فثبت، ومرت به الزعازع لم تصب منه مكسراً، ولم تقصف له عوداً، ولكن نفسه دون أن يمر بها الخطب ولا يؤثر فيها. . فانعقدت بها العقدة، وكره أن يرى السعادة؛ فحصص حياته الباقية لحرب الخير، ومناهضة الرفاهة، وتدعيم الشر، ومباركة الشقاء.

عرفته وهو يستقبل المصائب، وكان إذ ذاك لا يفرح لفرح الناس، ولكنه كان أيضا لا يفرح لحزنهم، ثم شهدته والمصائب تعتوره من كل جانب حتى لم يعد فيه مكان لإصابة، فصار إلى ما هو عليه.

ولنا صديق رأى سعادته وسعى إليها، فسارع إليه الرجل ذو العقدة يثنيه عما يروم، باذلا في سبيل ذلك ما شاء من خسة وكذب. وكان الصديق يعرف في الرجل عقدته وخسته، ولكنه لم يفكر يوما أن تصيبه هو هذه الخسة وهو الذي يبذل له الود الصادق والعطف الكريم. . . وظل يحسن به الظن حتى انكشف له لؤمه وكذبه، فرمى بقوله عرض الأفق، وأتم ما كان مقدماً عليه، وكفأ الرجل ذو العقدة على مرجله غطاء من ود ظاهر.

ظننت أن صديقي سوف يشيح عنه بحبه وعطفه، وأنا أعلم فيه صدقاً في وده، فلا يمنحه إلا صادرا عن قلبه. ولكن الصديق أخلف ظني، وراح يظهر للرجل مثل ما كان يظهر، حتى احتسبت الله في صفائه، واعتقدت أن الحياة علمته خداعاً كان يجهله، ولكنني لم أطق أن أودع فيه خلالا حمدتها زمناً قبل أن أسأله:

- أراك ما تزال تحبه، وهو الذي فعل ما فعل. وأعرفك لا تبذل حبك من لسانك!

- إن ما فعل لا يعرفه إلا أنا وهو أنت. فإذا تغيرت عليه ظهر ما لا أحب إظهاره.

- وتنافق!؟

وماذا في ذاك!؟

- كأني أكلم شخصا لا أعرفه. . . ألا تعرف ماذا في النفاق؟. . فيه أنه نفاق. خداع وكذاب، وإجراء نفسك على غير ما تحب، وظهورك بغير ما تظن.

- لعل دهشتي من كلامك أكبر من دهشتك. إن ما تقوله لفظ أنيق تخلى عنه منطقك

<<  <  ج:
ص:  >  >>