للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[عدو الشعب الجاشنكير]

للأستاذ عطية الشيخ

علية

ما احسن قول المنفلوطي في المصلحين: (إنهم أنصار الخير والشر أنصار اشد منهم قوة، واكثر عدة عدداً، وهم دائماً هدف لغضب الملوك، لأنهم يثيرون ثائرة الشعوب عليهم؛ وغضب النبلاء لأنهم يحتقرون نبلهم؛ ويزدرون مجدهم وعظمتهم؛ وغضب الكهنة، لأنهم ينمون عليهم رياءهم وكذبهم؛ وغضب العامة؛ لأنهم يصادرون أهوائهم وشهواتهم، أي أن العالم كله حرب عليهم من أدناه إلى أقضاهن وقلما تنتهي حياتهم إلا بمثل ما انتهت به سقراط الحكيم وهومير الشاعر وأفلاطون الفيلسوف من قتل أو صلب أو حبس أو تشريد، ولا ذنب لهم إلا انهم احبوا البشر، وعطفوا عليه، وتألموا لألمه، وبكوا لبكائه. . .)

أقول هذا وأنا أتذكر مأساة بيبرس الجاشنكير، ذلك الملك الذي يقول فيه المؤرخون: (كان ثابتاً كثير السكون والوقار، جميل الصفات، ندب إلى المهمات مراراً عديدة، وتكلم في أمر الدولة مدة سنين، وحسنت سيرته، وكان يرجع إلى دين وخير ومعروف، وله أوقاف إلى وجوه البر والصدقة) ولا تزال بعض المدارس والآثار في القاهرة تحمل اسمه إلى اليوم، واصله من مماليك المنصور قلاوون، ثم صار في أيامه من أعيان الأمراء، وترقى بعده حتى صار أمير القاهرة ثم استدارا، وقد أشار باستدعاء الناصر بن قلاوون للسلطنة بعد قتل الملك المنصور لاجين، فكافأه المنصور بأن اقره استدارا على عادته، فأتفق مع نائب السلطنة سلار، وأخذا في تدبير الملك بهمة ونشاط كفيلين للملكة، وكان بيبرس مخلصاً جداً للملك الناصر، وفاء لأبيه الملك المنصور قلاوون الذي كان أستاذه وسيدهن ولكن بطانة السوء، أوغرت قلبه عليه حسداً وبغضاء ولم تكتف بإثارة الملك حتى أثارت الشعب

وليت شعري لم يولع اللثام بمحاربة الكرام ويحسدونهم، ويتربصون بهم الدوائر، ويقعدون لهم كل مرصد ولا يتركون فرصة إلا افترضوها، ولا فرية إلا دبجوها، ولا نار فتنة إلا اشعلوها، ويا ليت شعري لم يحتضن الرؤساء دائماً الأخساء الدساسين، يقربونهم، ويرفعون شأنهم؟ أما يعلمون أن الضعيف لا يكون مخلصاً ابداً، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً؟ ومن العجيب إن اكثر الحكم والأقاصيص قليت في الوقيعة والنميمة والوشاية والدس، ولكن كم

<<  <  ج:
ص:  >  >>