للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[نماذج فنية من الأدب والنقد]

قليلا ما اكتب عما يصدر من كتب الأدب. لأن كثيرا من هذه الكتب لا يرضيني. وليس ما يرضيني من الكتاب الأدبي شيئا وراء الإمكان أو فوق الطاقة. إنما هو الفن ولا شيء غير الفن. والفن الكتابي على ما أرى أسلوب من الجمال المصنوع المطبوع. عنصره الأول فكره قويه أصيلة. وعنصره الأخر صورة صادقة جميلة. فإذا فقد أحد هذين العنصرين أو فسد كان الأسلوب أسلوب عالم تجد فيه الروح ولا تجد الصورة. أو أسلوب مثال تجد فيه الصورة ولا تجد الروح. والعالم أو المثال رجل آخر غير الكاتب أو الشاعر: العالم همه توضيح الغامض في الموضوع. والمثال همه تحقيق الشبه في الشكل. أما الكاتب أو الشاعر فهو خالق مصور: يبدع الجسم على أجمل هيئة. ويبعث فيها الروح على أكمل حالة. ثم يهب لمخلوقه خصائص الحي فينمو ويتحرك ويعمل. ولكن نموه يكون في خيالك. وحركته تكون في نفسك. وعمله يكون في ذهنك. فيفيد ويقنع بأثر العقل في المعنى. ويعجب ويتمتع بأثر الذوق في اللفظ

ذلك جوهر ما يرضيني من العمل الأدبي في أي موضوع أنشأه صاحبه. وهذا الجوهر هو ما أتفقده الحين بعد الحين في نتاج العصر فأجده زائفا في أكثره صحيحا في أقله. وهذا الأقل إنما أجده فيما ينتج الخواص من شيوخ الأدب الذاهبين! أما الشباب وا أسفاه فإنهم ينتجون الأندر من هذا الأقل. والذين ينتجونه منهم نفر ميزهم الاستعداد ومحصهم الاجتهاد فشاخوا في الأدب على طراءةالسن وضآلة الناتج. وإن من أعيان هذا النفر صديقنا الأستاذ أنور المعداوي. وكتابه الذي عنونت باسمه هذه الكلمة ينطق عليه بالحق. وينهض إلي بالدليل.

تخرج الأستاذ المعداوي في كلية الآداب من جامعة فؤاد فكان شذوذا من القاعدة التي تزعم ان التضلع من علوم اللغة، والتبسط في فنون الأدب، وقف على خريجي الأزهر ودار العلوم.

ولعل هذا الشذوذ نفسه هو القاعدة السليمة التي تقول إن الكتابة ملكة يؤتيها الله من اصطفى من عباده في أي سن ومن أي جنس ومن أي معهد

أسلوب المعداوي كما تراه في كتابه من الأساليب التي جاء فيها التأليف بين المعنى واللفظ جاريا على سنن الفن الصحيح. فالتفكير قوي عصبي حار، والتعبير دقيق أنيق مهذب.

<<  <  ج:
ص:  >  >>