للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[امتزاج الأحاسيس]

للأستاذ عبد الرحمن شكري

قال المتنبي:

والذل يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم

وأحسب أن المتنبي إنما أراد أن يصف الذليل المداجي الذي يظهر المودة ويخفي الضغينة والعداء، فيتودد ويتذلل حتى ينال من خصمه. وهذه صفة في ذوي الكيد والمكر والدهاء. ولكن هناك صفة أخرى في النفس الإنسانية تشبه هذه الصفة بعض الشبه، وهي صفة المحبة والمودة التي يحسها الخائف إحساساً حقيقياً لا مداجاة فيه إذا عجز عمن يخاف منه وألف الخوف فأزالت أُلفة الخوف غلواءه، وأزالت الرغبة في التخلص منه. وأبعدت هي والعجز أمل الانتقام من أجله، فتحول إرادة المحافظة على الحياة ذلك الخوف المألوف محبة أو مودة تحاول بها نيل الزلفى لدى الإنسان المخوف من طريق الإحساس الصادق بالمحبة أو المودة. وتحاول أن تسل بها من قدرة المخوف حمة البغض وسم الضغينة. لأن إرادة المحافظة على الحياة تعلم أن مودة الرياء ومحبة النفاق قد لا تقنع، وقد تنكشف ويشف ثوب الرياء عما تحته فينال الخائف المرائي شراً إذا انكشف مداجاته وعرفت مداهنته، ومن أجل ذلك تبالغ إرادة المحافظة على الحياة في الحيطة والحذر، فتحول الخوف من الإنسان المخوف إلى حب له أو مودة كي تقنعه وتتقي بوادر شره، وهي أيضاً تحاول أن تقنع بتلك المودة نفس من يحسها. وتفهمها أن لا داعي لليأس من الحياة كي لا يرهقها الخوف واليأس؛ وهذا أمر مشاهد إذا قرأ الإنسان سِفْرَ الحياة وتقصي البحث في تكوين النفوس

وهذه المحبة قد تزول وقد تبقى بعد زوال أسباب الخوف. وقد تقوى أواصرها بعد الرهبة ولا سيما إذا حلت الرغبة مكان الرهبة، ووجدت النفس منفعة دنيوية أو نفسية لها عند من زالت أسباب الخوف منه؛ وقد تنقلب تلك المحبة إذا زالت أسباب الخوف مقتاً ورغبة في الأنتقام، فيحسبها الباحث أنها لم تكن إلا مداهنة ونفاقاً، وهي قد تكون ذلك، وقد تكون كما شرحنا محض المودة والشعور الصادق بها، لأن احساسات النفس تمتزج وتتحول وتتشكل أشكالاً وتتلون ألواناً في السرائر، فكأن في النفس البشريةَ سر الكيمياء الذي حاول

<<  <  ج:
ص:  >  >>