للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[للتاريخ:]

يوم من أيام بغداد

للأستاذ علي الطنطاوي

(لعل ذكرى هذا اليوم تهز بغداد، دار الأعزة الصيد، فيكون فيها لمصر وقضيتها يوم مثله. . .)

طلعت جريدة (البلاد) على أهل بغداد، صباح اليوم الأخير من آذار (مارس) ١٩٣٩، وفي صدرها مقالة (لكاتب شامي أستحي أن أسميه)، ليست كمقالات، جملا ترصف، وكلمات تؤلف، ولكنها قلب يتفطر، وديناميت يتفجر، عنوانها: (يا غازي. يا غازي. يا غازي). وفيها:

يا غازي، تدعوك الأيامى الثاكلات، يا غازي يناديك اليتامى المظلومون، يا غازي يستنصرك الضعاف العزل، والعجائز الركع، والأطفال الرضع. يا غازي يهتف باسمك الشباب الذي يواجه بجسمه المصفحات، وبصدره الدبابات، ويحارب الدولة الطاغية الغاشمة، لا سلاح له إلا إيمانه، وأمله بالله، ثم بالعرب، وبك يا مليك العرب، يا غازي!

يا غازي: دعوة غريق ينادي منقذه القوي!

يا غازي: هتاف مريض يدعو طبيبه الآسي!

يا غازي: إهابة مشرف على اليأس بالسيد المأمول!

يا غازي: صرخة الدم، واللغة، والدين، والمجد، والجوار.

يا غازي: المدد! المدد!

يا غازي!

لقد نادت امرأة واحدة، في سالف الدهر: (وامعتصماه) فاهتز لها هذا العرش: عرشك. وماج لها هذا الشعب: شعبك وخرجت الجيوش: جيوش بغداد، فلم ترجع إلا وفي ركابها المجد والنصر. فمن غيرك، وغير العراق لهذه الأمة التي حملت البلاء، ورأت الشدائد، وشاهدت ألوان الموت، وخانها الحليف، ونقض عهده لها القوي، وجرد دباباته الضخمة، ومدافعه وعتاده، ليحارب بها النساء والأطفال والشيوخ؟ من غيرك وغير العراق لهذه الأمة التي تنادي اليوم: (واعراقاه). (واغازياه)!

<<  <  ج:
ص:  >  >>