للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[مستقبل الجامعة الأزهرية]

للأستاذ عباس محمود العقاد

الجامعة الأزهرية معهد يراد به البقاء، ما في ذلك ريب عند أحد من المصريين، لأنها مرجع العلوم الدينية والثقافة العربية، وهي عدا هذا أقد جامعة في العالم بأسره، فالأمة التي تملكها كفيلة أن تحافظ عليها وتستديم بقائها وازدهارها. ومن أول أسباب الاستدامة أن يتجدد التوفيق بينها وبين مطالب الزمن بغير انقطاع، وأن تكون مطلوبة لما حضر ولما سيأتي، ولا يقتصر طلبها على ما مضى وكفى.

ومع هذه الرغبة الوثيقة، لا نرى في الأمر مشكلة تعترض الراغبين في دوامها ودوام ازدهارها إلا من ناحيتين لا يصعب تذيل العواقب فيهما: أولاهما الثنائية في نظم التعليم بمدارس الأمة الواحدة، والثانية أن تكون نتيجة التعليم في الجامعة الأزهرية تخريج (طائفة معاشيه) يربط بعضها ببعض تحصيل المعاش أو حاجتها هي إلى المعاش، وإنما الواجب أن يكون بقاؤها منوطا بحاجة الأمة إليها لا بحاجتها هي إلى الأمة، ولاسيما حاجتها من الوجهة المعاشية دون غيرها.

وقد أحسنتم التوصيف والتعليل حين أشرتم في عدد الرسالة الماضي إلى (بدء الوحدة الثقافية بين أبناء الأمة).

فإننا لا نعرف في البلاد الإسلامية داعيا إلى انفصال طائفة من الطوائف بمنهج من المناهج العلم أو مسلك من مسالك المعيشة، لأن رجال الدين من المسلمين لا يعتزلون الحياة ولا ينفصلون عنها ولا يلوذون بالصوامع ولا يترهبون، ويستطيع الرجل منهم أن يسلك في معاشه مسلك المهندس والطبيب والصانع والفيلسوف، وكل ذي عمل من الأعمال الدنيوية التي يزاولها سائر الناس. فإذا أستعد للدراسة كما يستعد المهندسون والأطباء والصناع والفلاسفة؛ فليس في ذلك ما يخل بوظيفته المقبلة أو ينقص من عدته التي يستعد بها لغده. بل هي عزلة التعليم التي تضيره وتقطع ما بينه وبين أبناء العصر من صلات المعيشة وأسباب التفاهم وتبادل الشعور، فلا تزال الفجوة بينه وبين عصره بابا للاختلاف والأشكال.

فمن الواجب قبل كلشيء أن نبطل الثنائية في نظم التعليم بالمدارس الابتدائية والثانوية،

<<  <  ج:
ص:  >  >>