للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الغزالي وعلم النفس]

للأستاذ حمدي الحسيني

- ١٠ -

السلوك

التقينا بواسطة هذه المجلة الزاهرة مع القراء الكرام تسع مرات تحدثنا خلالها عن شخصية الإمام الجليل حجة الإسلام أبي حامد محمد الطوسي الغزالي وعن معرفته النفسية التي رأيناها تتلاقى مع قواعد علم النفس الحديث فتتآخى، وتتقارب فتتجاذب، فظهر من كل هذا صورة واضحة لنفسية هذا الرجل العظيم وصورة أوضح لعقليته الجبارة وتفكيره الدقيق العميق. وقد وعدنا في مقالنا السابق أن نتحدث هذه المرة عن السلوك في نظر الغزالي وهو ما يسميه الغزالي بالخلق.

والأخلاق الإنسانية هي هذه الصور الكثيرة المتعددة التي تشبع الرغبات بها نفسها فينشأ عن تعددها الفروق بين الناس والتفاوت في أقدارهم وقيم أعمالهم. والغزالي - ولا شك - من أكبر علماء السلوك أو (الخلق) الإنساني وعلى الأخص الخلق الإسلامي بالنسبة لقواعد الدين الحنيف، فبرا بالوعد وحرصاً على الخير نسوق لكم ما يقوله الغزالي في السلوك اللاشعوري أو ما يسميه هو بالخلق، وقوله هذا تحديد دقيق للسلوك اللاشعوري سواء كان هذا السلوك غريزيا أم مكتسبا بالعادة. يقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معاً يقال فلان حسن الخَلق والخلق أي حسن الظاهر والباطن، يراد بالخَلق الصورة الظاهرة وبالخلق الصورة الباطنة. وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح مدركة بالبصيرة ولكل واحد منها هيئة وصورة إما قبيحة أو جميلة؛ فالخلق إذاً عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية. فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً. وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً.

هذا ما يقوله الغزالي في السلوك اللاشعوري وهو قول واضح الجوانب لا غموض فيه ولا إبهام. وهو موافق كل الموافقة لما يقوله علم النفس الحديث من أن الطفل يحس بالفرق

<<  <  ج:
ص:  >  >>