للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[طرائف من العصر المملوكي:]

في ظلال السرحة

للأستاذ محمود رزق سليم

في فوره من فورات الشاعرية، وسنحة من سنحات الفن، وحين هجعة من هجعات الحس الظاهري ولمعة من لمعات الخيال، وبين لمحة من اللمحات التي تنسجم فيها العاطفة وانفعالها بالذهن في صفائه، واللسان في وفائه، جلس الشاعر المبدع الوصاف (فخر الدين ابن مكانس)، في ظلال سرحة من سرحات النيل، كرم في جواره منبتها، وطاب في كنفه غرسها، ورسا أصلها في أدم شاطئه، وسما فرعها على صفحة كوثره، حلا لها المقام حيث تقيم، فلبثت في مكانها لا تريم؛ فهي وليدة النيل أو حبيبته، رضيت ألا تبرح داره، وأقسمت لا تمل جواره. إذا صفا من تحتها ماؤه، ووفى لها حباؤه، ضحكت له بنورها الألاق، وزهرها البراق، وانثنت عليه بالأغصان اللدان، والأفنان الحسان. مثنية شاكرة، مرسلة تحيتها العاطرة.

تلك هي سراحة ابن مكانس التي أطلقت من حوله أرجا عبق بالأرجاء عطره، وضاع في الآفاق نشره، فجذبته إليها به اجتذاباً، واقتضبته اقتضاباً، وأثارت في نفسه وساوس الشياطين، وأهاجت في خاطره أبالسة الشعر فأتاها في بيتها، وناداها من تحتها، وناجاها بقصيدة فريدة، فخلدها بين اللدات، وجعلها في الخالدات.

جلس في ظلالها جلوس الواله الشغوف، شفه منها جمالها، وراعه جلالها، وأعجبه سموقها إلى السماء، في أنفة وكبرياء. حتى ليرتد الطرف عنها وهو كليل. أليست بنت النيل، وسليلة العذب السلسبيل؟

وطفق ينعت قوامها من الأخمص إلى الرأس، ومن القدم إلى الذؤابة، كأنها وهي العجوز الشمطاء كاعب حسناء وخلع عليها من نفسه نفساً، ومن روحه قبساً. وصور ما أشاعته حولها من نشاط، وما نشرته من جذل ومرح. فإذا كان المشيب قد اجترأ فطرق عليها الخباء، ودب في اللحاء، فلا يزال ماء الشباب، يجول منها في اللباب؛ فهي قريرة العين، راضية القلب، إذا راح نورها يبسم من الفرح، غاداه من الغيم كل بكاء، وإذا داعبتها الأنواء، فاكهتها السحب بالماء؛ وإذا توهج القيظ فاستشرى داؤه وعزا دواؤه، طبته عن علم

<<  <  ج:
ص:  >  >>