للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[غناء الطيور]

بين العلم والأدب

للأستاذ ضياء الدخيلي

فتن شعراء الطبيعة بغذاء الطيور وسحروا بهديلها وزقزقتها في السحر وعند الأصيل في الأشجار المتشابكة وعلى الأنهار والسواقي حيث يمتزج خرير المياه بهديل الطيور وقد حبت الطبيعة البساتين موسيقاراً لا يكل ولا يعجز عن توقيع ألحانه العذبه، ولايفتر عن ترديد أغانيه المشجية والمطربة أحياناً؛ وقد هام أغلب الشعراء بأغاريد الطيور فتركت صدى عميقاً في نفوسهم وخلدوا في مطارحتها روائع ساحرة. وقد زاد ولوعهم بها ما جلبوا عليه من تقديس الجمال والافتتان بالتواقيع الموسيقية فكان كثير من الشعراء العباقرة يجنون إذا جمعتهم الرياض بالحمائم والطيور المغردة فيطربون لها ويهيمون إعجاباً بسحرها الأخاذ، فيهجر بعضهم المدن لينعم بقرب الطيور في الرياض المؤتلقة.

من ذلك رأينا هذه الأشعار الكثيرة في دواوين شعراء العرب وكلها افتتان بغناء الطيور، ولم يقتصر عليهم ذلك الهيام بالطبيعة وجمالها الفاتن فقد حدث مؤرخو حياة الفيلسوف الإسلامي الكبير أبى نصر الفارابي أنه عندما سافر من بغداد إلى دمشق كان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس، وكان مدة إقامته بدمشق لا يكون غالباً عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض؛ ويؤلف هناك كتبه وينتابه المشتغلون عليه، وقال في (وضات الجنات) يحكى أن الآلة التي تسمى القانون من وضعه وهو أول من ركبها هذا التركيب، وهذا يدلك على مدى افتتانه بالألحان الموسيقية، ولعل غناء الطيور أوحى له دروساً فياضة في الموسيقى.

وكما ترى فيما سنعرضه عليك أن هناك اختلافاً بين علماء الحيوان ودعاة نظرية التطور من دارون واتباعه، وبين شعراء العرب الذي نظموا في غناء الطيور وفسروه، كما ظهر لهم حسب أفكارهم إذ يرى علماء الحيوان أن الغناء هو من خصائص ذكور الطيور، وأن هذه تغرد وتغني لتجتلب الإناث بهديرها وتغريدها فالأغاريد أسلحة أدبية تصول بها الطيور في غمار معارك غرامية صخابة تعج بالتنافس بين ذكرانها، والتغالب لاقتناص زوجات يتمتعون بالقرب منها وينعمون بالاستئناس بجمالها الأنثوي.

وأتذكر أن الصحف المصرية نشرت (تصريحاً) للأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>