للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[أخلاق القرآن]

الصبر

للدكتور عبد الوهاب عزام

الصبر خلق يعصم النفس من اليأس إذا طال بها الطريق إلى غاياتها، ويمنعها من الارتداد إذا سدّت العقبات سبيلها، ويكبر بها عن الجزع إذا نزلت بها من أحداث الزمان نازلة.

في الحياة أعمال شاقة لا يستطيع الاضطلاع بها إلا الصابرون، وفيها غايات بعيدة لا يبلغها إلا من صبر على مشقة الطريق وبعد المدى.

والأخلاق الفاضلة تنأى بصاحبها عن شهواته، وتعلو به عن سفاسفه، وتكبر به على الهوان، وتسوم النفس ضروبا من الصدود عن الهوى، والعفاف عن الشهوة، ولا يتخلق بهذه الأخلاق إلا أهل الصبر. وفي الحياة عقائد حق ومذاهب خيّرة ينفر منها الناس أول عهدهم بها، وينال الدعاةَ إليها السخرية والأذى والألم في النفس والنقص في المال. فلولا الصابرون ما دعا إلى هذه العقائد داع، ولا ذهب هذه المذاهب أحد.

الصبر توطين النفس على المشاق والمكاره، والإباءُ على الخطوب، والاستكبارُ عن الخنوع للمصائب، والثباتُ في الموقف الضنك، والمقام الهائل، أو المسير إلى الغاية المخوفة حتى يستوفي العملُ أطواره، ويبلغ نهايته، ويُنجح الطلب، ويحمد الدأب.

والصابرون رواسي الأمم كلما زلزلتها الخطوب، وسكينتها إذا طارت من الذعر القلوب. إذا طاشت الأحلام في مآزق الحرب صبروا حتى يتبلج النصر، وإذا خارت العزائم في معارك الحياة دأبوا حتى يشرق الحق. والصابرون قادة الأمم إلى الحق والخير والظفر يسلكون إليها الأهوال حين ينكص غيرهم فزعاً، ويستقيمون على الطريق حين يحيد غيرهم بأساً، ويواصلون المسير حين يقف مَن سواهم عجزاً، ويحتملون المكاره حين تنوء بكل عاجز، ويبسمون للمصائب حين تزلزل كل رعديد. هم الذين يصلون مبادئ الأعمال بغاياتها، ومقدماتها بنتائجها وإن شق العمل وطال الطريق. هم الذين ينصرون كل دعوة إلى الحق، وكل مذهب في الخير وإن عظم ما يلقاهم من المحن، وما يعترضهم من المكاره.

ومن الكلام المأثور: الصبر على الطلب عنوان الظفر. والصبر في المحن عنوان الفرج.

<<  <  ج:
ص:  >  >>