للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[أنا. . . والبحر!]

(مهداه إلى الأستاذ راجي الراعي)

للأستاذ صبحي إبراهيم صالح

(أيها البحر! أبها الملك الجبار، المحفوف بالأسرار!

إنني الساعة في ثبجك، أدنى ما أكون إلى عرشك، بعد أن تجرعت في عبابك ماءك الأجاج، ولقيت في سبيلك الأهوال من جنودك الأمواج. . .

لقد بلغتك بشق النفس لتقربني نجياً، فهل أنت طاردي أم ستكون بي حفياً؟

تبسم (ملك السواحل) ضاحكاً من قولي، وكأنما أدركته الشفقة عليّ، فأوحى إلى جنوده الأمواج: (أن انطلقوا جميعاً إلى الشاطئ القريب، ودعوني وحدي مع الفضولي الغريب. . .)

حتى إذا شرعت أمواجه تنحسر التفت إلى وقال: (تكلم ولا تخف إنك من الآمنين)

فتنفست ملء رئتي بعد أن احتبست من طول السباحة أنفاسي، وأنشأت أقول للبحر الأثبج معجباً بحلمه، فرحاً بما لقيت من كرمه:

- أتدري ملك السواحل أن أبرز سجاياك سعة صدرك، وشدة صبرك؟

- أجل. . . وبسعة صدري وشدة صبري استطعت أن أحتفظ بعرشي حين ثلت العروش، وأن أصون تاجي يوم حطمت التيجان.

- لقد رأيت عرشك أيها البحر في ثبجك. وما لاح لعيني تاج على لججك. . .

- وكيف يلوح الآن في الأصيل تاج لا يزين رأسي إلا قبيل الغروب؟ أن تاجي هالة حمراء من نور الشمس حين تروم المغيب في الأفق البعيد.

- أنظرني إذن إلى وقت غيابها، لعلي أرى هالتها تكلل رأسك الجميل.

عنجر البحر شفتيه، كأن طلبي الأخير لم يرق لديه، ثم قال:

- أنظرك؟. . . كلا. . . حسبك ما يأخذك الآن من سحرها، وما تحسه من اتقادها ووهرها فإني أغار عليها من نظرة الإنسان، ومن ملاطفة الهواء ومن نجوى السماء. . .

- لله درك من عاشق ولهان، ولله در لنلوك حين يعشون!

- نعم. . . عاشق أنا ومدنف؛ وإني لأصف معشوقتي بما لا يبلغ وصفه الشعراء. فعلى

<<  <  ج:
ص:  >  >>