للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من سجايا اليهود، نقض العهود]

للأستاذ علي العماري

كان موقف الصهيونيين من الهدنة مثيراً للعجب عند الخبيرين ببواطن الأمور، والجاهلين بها، فالعالم كله يعلم أن الدول الغربية إنما أرادت من الهدنة أن تحمي ظهور اليهود، وأن تبقى على البقية الباقية من قواتهم التي مزقتها الجيوش العربية، وأن تهيئ لهم الفرصة للاستجمام والراحة لعلهم يستطيعون أن يثبتوا وجودهم، وأن يمحوا العار الذي لحقهم، ويزيلوا الخجل من الدول التي ناصرتهم، وتساءل الناس، ما بالهم - وهذه حالهم - لم يصبروا على الهدنة ساعة من نهار؟ وما بال عصاباتهم ترتكب كل يوم حادثا جديداً؟ وربما اختلف الناس في الإجابة عن هذا السؤال الذي يبدو غريباً، وربما ذهبوا مذاهب شتى في التعليل والاستنتاج، ولكن الذي أؤكده أن مرجع ذلك ومرده إلى أن الغدر ونقض العهد من طبائع اليهود المتأصلة فيهم.

يؤيد ذلك تاريخهم الطويل المملوء بالمضحكات والمبكيات، مذ أذاقوا كليم الله موسى عليه السلام الأمرين، إلى أن لفظتهم جميع الدول من أرضها في العصر الحديث. ويؤيده ما سجله القرآن الكريم عليهم. ولهذه الطبيعة في نفوسهم لا أظن أن أحداً يرضى أن يركن إليهم، أو يثق بمواثيقهم وعهودهم، ولا أظن (برنادوت) بالغاً شيئاً مما يريد. وكيف، وقد أعيوا جميع الأنبياء والمصلحين الذين أرادوا لهم الخير؟! فما كان منهم إلا أن التووا على الجميع، وأصموا آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا، واستكبروا استكبارا. شكا منهم موسى عليه السلام فقال فيما حكاه القرآن عنه: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الظالمين). وشكا منهم هرون عليه السلام: (قال يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين). وشكا منهم أنبياء الله يوشع بن نون، وصمويل، وزكريا، ويحيى، وفي القرآن الكريم (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ليئس ما كانوا يفعلون).

ولقد عنى القرآن الكريم عناية ظاهرة بأخبارهم، والحديث عن سوء أخلاقهم، وكشف مطويات ضمائرهم، حتى كانت السورة بأكملها تنزل في حادثة من حوادثهم، كما نرى في

<<  <  ج:
ص:  >  >>