للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ماليَ لا أكتب؟

يعتب عليِّ صديقي العباس أنني لا أكتب في هذه الأيام للرسالة، ويحتج لعتابه بأن دواعي الكتابة في ريف المنصورة، أو في ظلال (الكافورة)، أقوى من أن ينهض لها عذر من اعتلال أو اشتغال أو إراحة. وواقع الأمر أني لم أكن كاليوم أرهفَ شعوراً بالجمال، ولا أبلغ تأثيراً الطبيعة، ولا أشد انطواءً على النفس؛ ولكن أكثر ما يتمثل في الجمال، أو يخطر على البال، سوانح هي بالشعر أشبهَ وإلى الغناء أقرب؛ فإذا همَّ باقتناصها القلم اندلعت من جوانب النفس زفرات وقَودها الصهيونيون واللاجئون والحرب والهدنة وترومان وستالين وبرنادوت ومجلس الأمن وهيئة الأمم، فأنصرف عن الغناء إلى الرثاء، وأنتقل من الضحك إلى البكاء. وأهمَّ بتلحين الألم وتوقيع الأنين، فتنبعث من نواحي العقل أصوات تستنكر وتستنفر وتقول: لقد خطبنا حتى جف الريق، وكتبنا حتى نفد المداد، وبكينا حتى نضب الدم، فما الذي أغنى عنا كل أولئك؟ ألا يزال أرانب اليهود مغرورين يتبجحون بالدولة والجيش؟ ألا يزال عرب فلسطين مشردين يكابدون ذل الاغتراب وشظف العيش؟ ألا يزال ترومان الأخرق يجري على سياسة الهوى والطيش؟ ألا يزال برنادوت الغر يستر عجزه بالمداهنة والغيش؟ فأصيح إلى صوت العقل وأقول: بلى، كل أولئك لا يزال، وأتمنى على الله رب العالمين وناصر العرب والمسلمين، أن يستحيل اللسان في فمي حساماً يضرب، واليراع في يدي سناناً يطعن، والغضب في نفسي عاصفة تدمر، والضعف في جسدي قوة تبيد. فأنا الآن مترجح بين طرفين كلما ملت إلى أحدهما جذبني إليه الآخر أنظر بعيني إلى مفاتن الطبيعة في ضعاف النهر وحواشي الحقول ومماشي الرياض فأبتهج، ثم أنظر بقلبي إلى مخازي الناس في صور النذالة والجور والبؤس بفلسطين فأكتئب، ثم يصيبني العمى والخرس لأن ابتهاجي عابر لا يحدث غير الافترار، ولأن اكتئابي عاجز لا يبعث غير الدمع.

وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رُعت به وخدك تقرع

إن نكبة فلسطين ومحنة العرب قد غطَّتا على كل حاسة وغلبتا على كل عاطفة؛ فالفكر فيهما والحديث عنهما ملء القلوب وشغل الألسن؛ ولكن الكلام هواء، والبكاء ضعف، والمنى أباطيل، والمهادنة غش، والمفاوضة عجز؛ فلم يبق إلا أن نسكت لنعمل، وندبر لننفذ، ونتقوى لنسود، ونتسلح لننجح، ونقتل لنحيا، ونظلم لنُحترم!.

<<  <  ج:
ص:  >  >>