للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[المسلمون في معترك الخطوب]

كأن الحلفاء يوم عقدوا ألوية الحرب قد عقدوا غيب ضمائرهم على الغدر بأنفسهم وبالناس، فلم يكادوا ينفضون أيديهم من تراب هتلر وحليفيه حتى أخذ بعضهم بتلابيب بعض، يتصارعون على أسلاب الحرب ويتكالبون على جثث الضحايا؛ فهذا يريد أن يغرز أنيابه هنا، وذاك يحاول أن ينشب أظفاره هناك؛ واللحوم طعوم، والذبائح أجناس؛ فوقف كل وحش بازاء منافسة تهدده بما يملك من أسباب الحياة وبما يعلم من أسرار الموت، حتى خشع المهيض، واستكان الضعيف، واستخذى الجبان، وأقرت الأمم بالضيم، واعترفت الدول بالرق، وانتهى النزاع على ملكوت الأرض إلى قوتين متعارضتين: قوة الرأسمالية في أمريكا، وقوة الشيوعية في روسيا، كلتاهما تريد أن تبسط سلطانها على المستضعفين في الأرض دون الأخرى، والدولة التي كانت تنافسها في استرقاق الشعوب نتفت ريشها الحرب فتأخرت عن صفها وهبطت عن مستواها، فتركت لها تصريف الأمر وغفت في ظلال السكينة ترجو لأجنحتها أن ترتاش ولجروحها أن تندمل؛ فلم يبق العالم اليوم من يقف أمام هاتين القوتين العارمتين موقف الأبي الذي يتكرم عن الذل ويتجافى عن المهانة إلا قوة واحدة تستمد بأسها من روح الله، وتقتبس هديها من نور الحق، هي قوة الإسلام. وبحسبك أن تسمع مذياعك في أي ليلة، أو تقرأ في أي يوم، لتعلم أن هذه القوى الثلاث هي التي تتصارع وتتقارع في الغرب والشرق وما بينهما، وسائر الأمم محتبون بهامش الميدان يشهدون هذا الصراع شهود المتفرج أو المهرج لينسخوا بمبادئهم دياناته وفلسفاته، والأمريكيون يقيمون من دونهم السدود ليظلوا مستأثرين وحدهم بخيراته، والمسلمون في تركية وإيران وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا، وفي أقطار العروبة من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، يجأرون بالشكوى، ويصرخون من الظلم، ويغضبون للكرامة، ويثورون للحق، وينادون بالجهاد؛ ولكن أصواتهم الإنسانية اللينة تذهب في عواء الذئاب ونباح الكلاب كما تذهب النسمة الرخية في الأدغال الشواجن!

كأنما الحرب لم تخلف من المشكلات غير مشكلة الشرق الأوسط! وكأنما لم يتركوا من التراث غير تراث الإسلام! وكأنما الأسرى في نظام هيئة الأمم المتحدة هم المسلمون! فمن لم يكن له من شذاذ الأمم جعلوا له موطناً من أرض العرب! ومن ضاقت عليه مذاهب العيش في بلده وسعوها عليه من أرزاق العرب! ومن نقت ضفادع بطنه من المستعمرين

<<  <  ج:
ص:  >  >>