للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[العزلةوأثرها في الأجناس]

للأستاذ مصطفى بعيو الطرابلسي

يهتم الجغرافيون بدراسة مناطق العزلة لأهميتها في الدراسات الجنسية ذلك لأن الأجناس البشرية مهما كانت تابعة لنوع واحد فإنها لا تخلو من وجود اختلاف بين الأفراد. فإذا عزلنا مجموعة خاصة من النوع البشري في إقليم منفصل وتركنا هذه المجموعة في عزلة تامة عما يجاورها لحد ما فلا بد لها بسبب هذه العزلة أن تكتسب صفات جديدة غير موجودة في المجموعة التي اقتطعت منها ثم تقوى هذه الصفات بمضي الزمن واستمرار العزلة حتى يأتي وقت نرى فيه تكوين جنس جديد في هذا الإقليم المنعزل وعلى هذا الأساس يظن بعض العلماء أن الأجناس الثلاثة من سوداء إلى بيضاء وأخرى صفراء قد تكون كل منها في عزلة عن الآخر بهذا الشكل. وتعرف هذه المناطق التي تتكون بها الصفات الجنسية بمناطق التكوين لهذا يجب أن تكون منطقة التكوين إقليما منعزلاً إلى حد كبير ومثل هذه الجهات يقصدها الإنسان إما بالمصادفة أو للبحث عن الرزق ثم يظل بها زمناً طويلا يكتسب فيها بحكم العزلة والبيئة الجديدة وما تتطلبه من حياة خاصة صفات جديدة تصبح فيما بعد من مميزاته الخاصة.

والإنسان بطبيعته شديد الرغبة في الانتقال وقد ساقته هذه الرغبة إلى الانتقال لغير موطنه وترتب على ذلك خلط بين الأفراد ونشأة أجناس وانقراض أجناس أخرى، وقد اشتد الخلط خصوصاً في العصور الحديثة بدرجة تعذر معها الحصول على فرد يمثل جنساً معيناً مع علمنا بأن هذا الجنس موجود في مكان خاص وذلك لأن الصفات الجثمانية لا تتوفر في شخص واحد وإنما توجد موزعة بين الأفراد جميعاً، ولهذا ففكرة وجود جنس نقي تماماً تكاد تكون خيالية حتى في الجهات البعيدة المنعزلة. فمثلا جزر الأندمان التي يظن أنها تقطن بأنقى الأجناس قد وجد في ثقافتها ما يدل على اختلاطها ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاط الثقافي قد حمل معه اختلاطاً جنسياً. والإنسان بطبيعته كسول فهو يتفادى المناطق التي لا يجد فيها راحته ولا يلجأ إليها إلا مضطراً، لذلك كانت الموجات الحديثة تطرد أمامها دائماً الموجات القديمة إلى الجهات السحيقة الغير محبوبة، ولهذا يمكن القول أن سكان مناطق الأطراف أو العزلة يمثلون أقدم العناصر بالنسبة لما يحيط بها.

<<  <  ج:
ص:  >  >>