للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[في الماضي]

للأستاذ محمود محمد شاكر

كنت أتمنى أن يكون لي مكان هذا القلم الأصم قلم حيي نابض يصحبني حيثما سرت، ويلهمه الله من دقة الحس ما يجعله يتلقف كل خاطرة تومض في أعماق نفسي، ويشعر بكل هاجس يعتلج في سر ضميري، وإلا فإن الكاتب ذا لقلم أعجز من أن يطبق لم هذا الشعث المنثال المتتابع من الخواطر والهواجس التي تنتابه وتعتريه وهو يرى أو يسمع أو يفكر. وفي هذا اليوم بعينه كنت أشد الناس ضراعة في التمني أن لو أتاح الله لي مثل هذا القلم النابض الحي حتى يأخذ عني وعما يحيط بي، ويسجله قبل أن تمسحه عن قلبي يدالدقائق والساعات التي جعلها الزمن رصداً على الأفكار تمحوها بالنسيان، أو تطمسه بالفتور، أو تعفيها بتراب الحوادث التي تجد في كل لحظة من لحظات العمر.

خرجت أنا وصديقان لي، هما الأستاذ علاّل الفاسي الزعيم المراكشي الصابر على لأواء الجهاد في سبيل بلاده، والأستاذ محيي حقيالقصاص المبدع في زمن ليس للإبداع فيهقيمة ولا قدر، وكان الذي دعانا إلى هذا الخروج فنان كهل قد ودع الصبا ولكنه تشبث بعطره ونفحاته وتوهجه، فلا تزال تشم من فنه حين يتحدث عنه شذاً لطيفاً من عنفوان الصبا والشباب، وذلك الفنان هو الصديق الأستاذ حسن فتحي المهندس الذي أبى أن يتعبد للهندسة، بل أرادها أن تكون عبداً له يخدمفنه الذي يعيش فيه ويعيش به.

كان يوم الأحد السادس عشر من رمضان سنة ١٣٦٦ يوماً قائظاً ومداً يجعل العرق ثقيلاً كثيفاً يضجر النفس ويأخذ بالأنفاس، فلما ركبنا السيارة، وتخففنا من بعض ثيابنا، واستقبلتنا لفحات الهواء السخن، انتعشت القلوب ودبت فيها الحركة، على سكونها وفتورها من شدة الصيام وحاجة الأبدان إلى الماء في مثل هذا اليوم. وعندئذ بدأ الفنان يتحدث عن الوجه الذي يقودنا إليه، فطاف علينا من حديثه مثل الظل، حتى نسينا إننا في رمضان في يوم قائظ تحت الشمس. إنه ماض بنا إلى أثر عربي قديم في ناحية (بيت القاضي) يقال له (قاعة حب الدين الشافعي) وتعرف أيضاً بقاعة (كتخدا). فلما أوشكنا على دخول القاهرة القديمة شمعت روائح مصر الإسلامية، وتمثلت لعيني خوالي أيامها، ورأيت كأن هذه الجموع التي تسير في الطرقات كأنما انبعثت من الماضي البعيد بلباسها وشمائلها وآدابها

<<  <  ج:
ص:  >  >>