للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الدين والسياسة والوطنية]

للأستاذ محمود الشرقاوي

في أصيل يوم من أيام الصيف من سنة ١٩٣٨ - وكانت قد جزت في شتائها انتخابات عامة في مصر - كنت في زيارة المرحوم الشيخ المراغي في (العوامة التي كان يقيم بها على صفحة النيل في الزمالك، وجرى بيننا حديث لا أزال أذكره كأنه جرى بالأمس. فقد سألني، يرحمه الله، ماذا يقول الناس عنا. .؟ قلت: يقولون إن الأزهر انصرف شيئاً ما عن مهمته إلى السياسة، ويخشى الناس أن يجرفه تيارها فقال وما ذاك؟ إن رجل الأزهر ليس يضره شيء أن يشتغل بالسياسة بل يجب عليه أن يشتغل بها ككل مواطن، والدين لا يمنعه من ذلك بل يحضه عليه. فقلت: نعم يا مولاي، أن الدين لا ينهي بل هو يحض على الاشتغال بأمور الناس وبالشؤون العامة والعمل لخير الجميع في كل ميدان، وقد اشتغل علماء المسلمين وكثير من أئمتهم بسياسة عصرهم ولقي بعضهم العذاب والسجن في هذا السبيل، كما جرى لابن حنبل من المعتصم حين سجن في فتنة (خلق القرآن). فقد كان الرأي دينياً ولكن ملابسات الأمر كله كانت ملابسات سياسية، وكما سجن وأوذي أبو حنيفة وابن تيميه لاشتغالهما بسياسة عصريهما. فأنا معك في كل ما تقول مع فارق واحد دقيق ولكنه كبير، فما على رجل الدين من بأس إذ اشتغل بالسياسة، ولكن البأس والحرج والإيذاء له ولمكانته ورسالته أن يشتغل بالحزبية، وقد أردت أن أتلطف فيما يقوله الناس، فوضعت كلمة (السياسة) حينما كنت أريد أن أقول (الحربية).

وقد أجاب، يرحمه الله، جواباً ما أرى من الخير الآن أن أذكره.

وقد اذكرني هذا الحديث القديم ما نشرته صحفنا المصرية من قبل عن مشكلة جزيرة قبرص ورغبة أهلها في الانضمام إلى اليونان، فقد ذكرت هذه الصحف أن الكنيسة الأرثوذكسية أشرفت على استفتاء السكان ذلك الاستفتاء الذي ظهر من نتيجته أن وضحت رغبتهم في الانضمام لليونان بنسبة ٩٥ في المائة وكانت الكنيسة واضحة الرغبة في إبراز هذا الاتجاه لسكان الجزيرة.

فهل لرجل الدين أن يشتغل بالأمور السياسية والوطنية. .؟

ويحسن بي هنا أن أوضح ماذا أريد بالوطنية. وهل السياسة شيء والوطنية شيء آخر. .؟

<<  <  ج:
ص:  >  >>