للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[القصص]

قصة مصرية:

ألوان. . .

للأستاذ نصري عطا الله سوس

كان قطار الليل يشق طريقه المظلم إلى الصعيد. . .

وكانت هذه المرة الأولى التي يستقل فيها الدكتور فؤاد هذا القطار في طريقه إلى مقر عمله الجديد.

لقد عاش طول حياته في العاصمة، وكان طبيباً بإحدى مستشفياتها. . . وأخيراً، وبعد نزاع مع رئيسه، نقل إلى إحدى المستشفيات الصغيرة بأعالي الصعيد، وكان يمكنه أن يستقيل ويكتفي بإيراد عيادته التي تدر عليه الكثير. . . وقد فكر في ذلك حتى أضناه الفكر، فليس من السهل على رجل ألف حياة العاصمة أن يجد نفسه فجأة في جو لم يألفه، وحياة خشنة جافة هزيلة لم يعتدها!

ولكن تياراً أقوى كان يدفعه في الاتجاه الآخر: لم يكن قد أفاق بعد من صدمة هائلة أذهلته عن كل شيء وأنسته كل الاعتبارات. . . كان يود أن يهرب من المكان الذي كان مسرحاً لمأساة قلبه، والذي كان يذكره بها وينكأ جراحه كلما قاربت الالتئام!

لقد فكر وفكر. . . وأخيراً فضل أن يهرب من أشباح الماضي التي كانت تلاحقه في عناد، وتعذب قلبه، وتغمره في ليل أبدى لا فجر له!

ولم يكن الدكتور فؤاد من أولئك الأطباء الذين تتركز كل حياتهم في مهنتهم، فيحشون أدمغتهم بالمعلومات الطبية التي يطبقونها تطبيقاً أعمى، بينما يشاركون في الوقت نفسه رجل الشارع في ثقافته وأخلاقه وكل غرائزه، بل كان شخصية ممتازة، رقيق العاطفة، مرهف الأعصاب، ولوعاً بالأدب والموسيقى، ظامئاً إلى الحياة الدسمة الغنية بمختلف العواطف والاحساسات، ولم يكن ينقص حياته إلا شيئاً وحداً لا معنى لأي شيء في الحياة بدونه: ذلك المخلوق الناعم الحلو الذي تمسح ابتسامته السحرية كل الهموم والمتاعب، وتخلق في النفوس الشجاعة والعزم والأمل، ذلك المخلوق الجميل الرقيق الذي نسميه

<<  <  ج:
ص:  >  >>