للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الغزل عند الصوفية]

للأستاذ محمد منصور خضر

للكلام الموزون المقفى سيطرة كبيرة على النفوس، تنفعل له وتترنح تحت تأثيره وتطرب له، يحس بذلك كل ذي حس مرهف وذوق سليم ونفس فياضة بالعواطف، فتتردد في جنبات الفكر روح اللفظ والمعنى، فتنبعث النفس المتثاقلة ويبسم الوجه العبوس، وتتفاعل موجات الفكر صاخبة مدوية، فيتولد عن إحساس رقيق يهب الصفا ونقاء السريرة. ويذهب بالنفس إلى عالمها السماوي الأعلى.

نعم يشعر بذلك كل من سمع لفظاً دقيقاً رقيقاً ومعنى سامياً، ولذا نحا أدباء التصوف تلك الناحية وهي ناحية القلب وما يحسه في أداء العبارات من رضا وشوق وصفاء ونور! ضرب شعراء التصوف على هذا الوتر الحساس فأقبل الناس عليهم يشبعون رغبتهم، ويحيون نفوسهم، وقد أمانتها أماني الحياة وآمالها، فنراهم ملكوا زمام القيادة، وبهرهم منزلتهم السامية عامة الناس وخاصتهم، وتألقت منزلتهم في حب الله ورسوله من أقصر طريق؛ حتى أصبحوا منارات هدى يهتدي بهم الضال والحائر، إذ أن قصائدهم الفريدة الفائقة تفصح عن تبحر في اللغة وسعة في الملكة، وإيضاح تام عما في الخاطر، وإحاطة تامة في معارج الطريق.

ولشعراء التصوف طابع خاص يمتازون به في منظومهم، فهم زيادة عن ولعهم الشديد بالغزل الذي يحيدون عنه يستعملون الرمز والتوبة كثيراً، فهم بحق ينظمون نظما دقيقا فيه عاطفة رقيقة وإن خرجوا على الأساليب المألوفة ففيه القوة والحرارة والإيمان!

ومنظوم المتصوفة في مجموعة يرمي إلى أغراض علوية في أساليب غزلية ليسهل قبوله، فتنفعل له النفوس والمشاعر، ولذا نراهم يقدمون لنا ألونا من أذواقهم على تفاوت درجاتهم في الطريق، فمنهم سافر يظهر على لسانه بعض ما يجده من وجد يريد أن يبوح به فيأتي بألفاظ بوهم ظاهرها معنى غير مراد، وهذا من أسباب القوية التي ساعدت بعض الفقهاء على الوقوف ضدهم، ومنهم محجب أراح نفسه وغيره، وهذا الصنف قليل عندهم.

وأثناء عرضنا لمنظوم هؤلاء الصوفية تبدوا لنا ظواهر طيبة من صادق الألفاظ والمعاني، وترك المغالاة في الوصف وحبكة التعبير وقوته وسهولته معاً؛ حتى ليحار الباحث في قوة

<<  <  ج:
ص:  >  >>