للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الإسلام كعامل في المدنية]

للأستاذ أحمد أمين

لعل أهم تراث الإسلام وأثره في المدنية أمران: (الأول) العقيدة الإسلامية، لأني أرى أن كل ما نشأ عن الإسلام من فتح وعلم وإدارة وفن وغيرها أثر من آثارها، فالعربي قبيل الإسلام كان هو العربي بعيده، في جسمه وجوهر عقله ومعدنه، ولم يجعله يتجه إلى الفتح ويرى نفسه جديراً بأن يقف في المستوى الذي تقف فيه أرقى الأمم في عصره - وهما الفرس والروم - بل يرى نفسه أرقى منهما، وأجدر بأن يحكمهما ويوجههما وجهة خيراً من وجهتهما ويدخل التعديل على مدينتهما - إلا عقيدته؛ فهي - وحدها - الشيء الجديد في حياة العربي المسلم. لم يأت الإسلام في أول دعوته بنظريات هندسية، ولم يخترع آلات حربية، ولا فنوناً جديدة، ولا نوعاً من الإدارة جديداً، لأن هذه كلها أمور ثانوية بجانب العقيدة؛ فالعقيدة إذا صلحت أصلحت كل فاسد، ونشأ عنها كل أسباب التقدم ولو كان صاحبها فقيراً جاهلاً، حتى ولو كان في بلد جدب وأرض قفر، ولو لم ينشأ في مدنية ولو لم يرث حضارة. والعقيدة إذا فسدت أضاعت الثورة الموروثة ولم ينفع معها علم ولم يفد غنى، كلا ولا تنفع أرض خصبة ولا مدنية فخمة، ففيلة الفرس لم تثبت أمام بعير البدوي، ولا الدروع المضاعفة الرومانية استطاعت أن تصمد أمام نبال العربي وقوسه الساذجة، لأن بعير البدوي كان يحمل على ظهره قلباً مؤمناً، وفيل الفارسي كان يحمل فؤادا هواء؛ والقوس العربية كانت تصدر عن عقيدة صحيحة قوية ملتهبة، ودروع الروماني كانت تتضمن قلباً لا عقيدة فيه، كل همه شهوة ينالها ومتاع زائل بأمل أن يلتذ به، فإن فقد العربي حياته في القتال فلا بأس فإنما يعجل ذلك من قربه من الله، وإذا فقد الفارسي أو الروماني نفسه فيالها من خسارة، فقد حرم الخمر والنساء وحرم متع الحياة؛ فإذا قاتل العربي قدم حياته فحفظت حياته، وإذا قاتل الآخر قدم عدده وادخر حياته فخسر عدده وحياته. لم يتغير شيء في حياة العربي عند ظهور الإسلام إلا عقيدته، وكل شيء تغير غيرها فبسببها. وقد كنت أود أن أقتصر على الكلام فيها لولا أن هناك ناحية أخرى تهمنا كأثر قوي في بناء المدنية وهي (أثر الثقافة الإسلامية في المدنية)، فهي من جهة أكبر أثر للعقيدة، ومن جهة أخرى أقوى مركز ترتكز عليه المدنية. لهذا سنحصر قولنا في هاتين

<<  <  ج:
ص:  >  >>