للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[لمن أكتب؟]

للأستاذ محمود محمد شاكر

بيني وبينها أيام معتقة كأنها خمر في دِنان الزمن، فإذا ما قدّر الله لنا أن نجتمع يوماً، طارت بلبي نشوة ترمي بي إلى عالم ساكن ناضر ناعم النسمات، فأفارق بها عالماً صاخباً محترقاً لافح الرياح عاصف الأعاصير. واجتماعنا هو إحدى الأماني التي يقول في مثلها الشاعر:

أماني من سعدي رِواءٌ، كأنما ... سقتك بها سعدي على ظمأ بردا

وإذا اجتمعنا وتنهدت بيننا الأحاديث، فربما فاجأتني بالسؤال لا أتوقعه، فيردني سؤالها إلى نفسي رداً عنيفاً لا أملك معه إلا أن أديم طرفي إلى هذا الوجه الذي يخفي وراءه نفساً ثائرة، ولكنها ساكنة على ثورتها سكون الجبال الراسيات. ولست أدري أتلك إحدى لطائف الحيل التي تحب أن توقظني بها من غفوة الأحلام، أم تلك يقظة دائمة في نفس لا تطيق إلا أن تكون متيقظة حين يدعوها الهوى إلى إغفاءة تريحها من ثورة نفسها واضطرابها؟ وأي ذلك كان، فهي قد أخذتني أخذاً شديداً حين استوت في جلستها وقالت: حدثني، لمن تكتب هذا الذي تكتبه؟ إنهم جميعاً نيام يغطون، فلو قذفتهم بالشهب أو الصواعق لناموا على وقعها أو إحراقها.

فلما أفقت على سؤالها، جعلت أردده في نفسي وأنا أملأ عيني من صفاء هذه الينابيع التي تترقرق في وجهها وفي عينيها. وأخيراً قلت لها: لن أجيبك إلا حيث تقرئين كلامي، ودعينا لما بنا، فإن لقاءنا ساعةٌ فرت إلينا من هذا الفراق السرمدي.

لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ ولكني أحس الآن من سر قلبي أني إنما كنت أكتب، ولا أزال أكتب، لإنسان من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو: أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد بعد سوف يقدَّر له أن يقرأني؟ ولست على يقين من شئ إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يوماً على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها، وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم، تطمس هذه الحضارة التي فارت بالأحقاد والأضغان والمظالم، ولم يتورع أهلها عن الجور والبغي في كل شئ، حتى في أنبل الأشياء - وهو العلم.

<<  <  ج:
ص:  >  >>