للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من معاهد العلم في عصر الحروب الصليبية:]

المدرسة الصلاحية

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

كان التعليم في مصر قبل مقدم صلاح الدين إليها، في الجوامع والمساجد، وأول ما عرفت مصر إقامة درس من قبل الخليفة بمرتب ثابت كان في عهد خلافة العزيز بالله الفاطمي، فقد سأله وزيره يعقوب بن كلس صلة رزق جماعة الفقهاء، يقومون بالتدريس في الجامع الأزهر، فأطلق الخليفة لهم ما يكفي كل واحد منهم من الرزق، وأمر لهم بشراء دار وبنائها، فبنيت بجانب الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع، وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر، وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلا، وكان لهم أيضا من مال الوزير صلة في كل سنة، كما كانوا موضع عطف الخليفة وحبه.

ثم أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة وجعلها أشبه بجامعة نلقى فيها الثقافة العالية من فقه ونحو وحديث وأدب ولغة وهيئة وطب ورياضة ومنطق وفلسفة، وأجرى على أساتذتها الأرزاق الواسعة وجهزت بمكتبة ضخمة.

وكان الهدف من التعليم في الجامع الأزهر ودار الحكمة مبادئ الشيعة ونشر مذهبهم. ولم تذع المدارس في مصر في عهد الفاطميين، بل لم ينشأ فيها سوى هذه المدرسة التي أنشأها ابن السلار وزين الظافر العبيدي وكان من غلاة السنيين، فبنى بالإسكندرية سنة ٥٤٦ مدرسة للشافعية أسند أمرها إلى العالم الشهير أبي طاهر السلفي. وقبل هذه المدرسة أنشأ أحد وزراء الحافظ مدرسة لتعليم الشريعة بالإسكندرية أيضا.

فلما جاء صلاح الدين عمل على تأسيس المدارس المختلفة، ليشيع في البلاد مذهب أهل السنة ويعيدها إلى طريق الجماعة؛ فأنشأ بجوار الجامع العتيق مدرستين: إحداهما للشافعية والأخرى للمالكية، وحول قصر الوزير المأمون البطائحي مدرسة للحنفية اتخذت اسم المدرسة السيوفية؛ لأن سوق السيوفيين كان حينئذ على بابها، وبنى مدرسة مجاورة للمشهد الحسيني، وأخرى بالإسكندرية ومدارس بالقدس ودمشق.

ويظهر أن أعظم ما شيده هو المدرسة الصلاحية التي أقامها بجوار قبر الإمام الشافعي؛ ولعل صلاح الدين، وكان شافعيا، أراد بإنشائه هذه المدرسة أن يحي بها ذكرى الشافعي من

<<  <  ج:
ص:  >  >>