للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[إلى طلبة التوجيهية]

شاعران في المنفى

للأستاذ أحمد محمد الحوفي

(تتمة ما نشر في العددين السابقين)

- ٣ -

شوقي أثرى صوراً، واطرف خيالا، وأبرع معنى، فنحن لا نجد في معاني البارودي مبتكراً مستحدثاً، وإنما هي معاني شائعة سبق بها، وطالما كررها في شعره وهو بسرنديب.

ونزعته إلى محاكاة الأقدمين غالبة على تصوره ومعانيه، حتى أن بعضها لا يلائم العصر الذي عاش فيه كالدعاء للمنزل بالسقيا، وهو دعاء يلائم الصحراء حيث الجفاف وندرة الإمطار، وبأن تهب عليه ريح الصبا، وهي ريح كان يستطيبها أهل الحجاز لأنها تهب لطيفة من الشرق، وطالما تغنى بها الشعراء، ولكن ريح الشرق في مصر سموم ورمال، ومثل تعبيره عن مصر سموم ورمال، ومثل تعبيره عن مصر بوادي الأراك من شجرها، وذكره شجرة الرند وليست من نباتها، وتقديره إطراب شعره بأنه ألذ من الحداء وقد انقضى زمن الحداء ونعم الناس منذ زمن بعيد بالموسيقى والغناء، وفي بعض معانيه ضعف مثل قوله لسيفه:

أقول له والجفن يكسو نجاده ... دموعاً كمرفَضِّ اُلجمان من العقد

فليس في تشبيه دموعه بحبات اللؤلؤ براعة، لأن هذا التشبيه يستجاد من شاعر يشبه دمع محبوبته قاصداً الجمال والنفاسة، ولكن البارودي في حال باك حزين لا يلائمه إلا تصوير الدموعبأنها حارة تكوي، أو غزيرة لا تنقطع كما صور شوقي، على أن البكاء ليس من مفاخر الرجال. وفي خياله تناقض مثل شكواه من الوحدة وانه لا يرى صديقا بعد عدت أبيات من تقريره أن العائدات يعدنه ويعطفن عليه.

ولكنا نجد في صور شوقي ومعانيه ما يهز النفس، كتصويره حال الطائر الغريب اللهفان إلى وطنه، الظمآن إلى مائه يجرر ساقيه وذيله باحثا عن دواء، وكتصويره حال مصر نفته مرغمة وهي تحبه وتود سلامته وتأمل عودته بحال أمموسى ألقته في اليم وامقت به مسلمة

<<  <  ج:
ص:  >  >>