للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

في النقد أيضاً

للأستاذ محمد رفيق اللبابيدي

سيدي الأستاذ صاحب الرسالة

كنت أطمع، وكان القراء يطمعون معي أن نظفر بسلسلة متصلة الحلقات من ردود فحولة أدبائنا على ما عرضت له في (النقد المزيف)، وعلى ما عرض له الأستاذ أحمد أمين ومن جاء بعده؛ وكنا نود أن يكون لنا من هذا باب للولوج في بحوث أخرى تعيد الأدب رجْعه إلى أيام احتدام النهضة الأدبية فيثب بعض الوثوب بعد قعوده هذا القعود طوال عشر السنوات الأخيرة، وكأنا ذهبنا في أمانينا هذه بعيداً فلم يعدُ الكلام بضع كلمات شابها كثير من الألوان التي نشكو منها ويشكو منها أيضاً الأستاذ أحمد أمين. . .

وكاتب هذه الكلمة إليك - أو هذه الرسالة إلى صاحب الرسالة - من تعلم صغير جداً وضئيل، وليس له من القوة ما ينزل به في ميدان يصول فيه كبار الكتاب والأدباء؛ غير أنه ساير البعث الأدبي في مصر منذ حين طالباً فيها، وساير هذا الجمود في الأدب أستاذاً في معهد ثانوي بعيد عنها؛ وقد يرى البعيد ما لا يراه القريب. ونحن معشر القراء في خارج مصر أقدر على الحكم المجرد من العاطفة فيما هو جدير بالاحتفال به من آثار الأدباء والعلماء؛ ثم نحن أقدر على إلغاء المجاملة الأدبية فيما نكتبه وهي ما تعوده الكتاب بعضهم من بعض، يلبس كل منهم نقده لباساً من الأسلوب الصفيق لا تُرى من خلاله الحقيقة إلا كما ترى الشمس في يوم ماطر ملبد بالغيوم

ولست أدري، أو إني لا أحب أن أدري، السر في هذا الذي يغمر بيئتنا الأدبية من قواعد الكياسة في الحذر من إغضاب الأصدقاء والمقربين حين نعرض لنقدهم. فالكاتب يريد أن يقول كلمته، ولكن في لجلجة المشفق الفِرق، ويريد أن يجهر بما في نفسه، ولكنه يتورع أن يكون جريئاً، فقد يكون في الغد فيما يكون فيه سواه اليوم، وقد يقال فيه ما سيقوله هو في غيره، فهو واسع الحيلة يداور في إرضاء القراء والذين يعرض إلى نقدهم مداورة تحمله أن ينقد نقداً مجملاً فيه إمتاع بالفكرة التائهة والرأي الطائر، وذلك حسبه في نقده

والحق أني لو كنت كاتباً نابه الذكر، طائر الصيت، لربما كنت أشفق أن أقول إشفاق هؤلاء الكبار الفحول؛ وداؤنا في الشرق مستعص ما دام النقد شخصياً بعيداً عن المثل الأعلى؛

<<  <  ج:
ص:  >  >>