للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من مشاهد المهرجان]

كنت أمشي في شارع إبراهيم عصر يوم الأحد الرابع من أيام الزفاف الملكي السعيد، ونظري وفكري يتبعان فلول الزوار وهم يسيرون زمُراً في باحة الطريق يلقون أنظارهم الطائرة على بقايا الزينة من أقواس وأعلام، وينفقون قروشهم الأخيرة في مغريات النفس من شراب وطعام؛ وكان الملايين الثلاثة الذين ساهموا بآمالهم وأموالهم في زفاف الفاروق قد انتشروا في ميادين القاهرة وفنادقها وحدائقها ثم تركوها أشبه بمروج الربيع نفشت فيها قطعان الشاء فجعلتها كالصريم؛ ولكن هذه الأفواه الفرحة التي لم تفتر عن الضحك والهتاف، أو عن المضغ والارتشاف، قد أفعمت جيوب القاهرة مالاً وغمرت جنوبها بهجة. فكان منظر هذه الشراذم المتخلفة وهم يودعون مجال العُرس والأنس يبعث في النفوس شعور الأسف على انقضاء فترة من فترات الجنة اجتمعت فيها القلوب على السرور المصفى والوداد المحض

كنت أقول لنفسي وأنا أسير الهوينى في غمر من الصفاء استفاض على أوجه الناس حتى شاع حولهم في النسيم وشع فوقهم في الأفق: متى يتاح لسلائل الطين أن ينزعوا من صدورهم الجشع والأثرة فيعيشوا كما عاشوا في هذه الأيام حُشْداً على الخير عكفاً على الجمال خلصاً على المودة، ولهم على الله هواء يفعم كل رئة، وغذاء يتخم كل معدة، ورخاء يعمر كل قلب؟

ليت شعري أعجز ابن آدم ومعينه نور قلبه ووحي ربه وهدى عقله أن

يجعل دنياه الفانية كرياض الطير مسارح للشدو ومجاليّ للبهجة

ومشارع للحب، فيعيش على فضل الله كما تعيش الطير تغدو خماصاً

وتروح بطاناً وتغفوا أوامن؟ إن بقاء النفس أو القوت، وبقاء الجنس أو

الأنثى، هما الأصلان لكل غاية، والمصدران لكل عمل، فهل أعيا على

شريعة الخالق وفلسفة المخلوق أن تهذبا هاتين الغريزتين فتقطعا

أسباب الشر وتقلعا أصول الجريمة؟

ألا. . . ولكنني شعرت فجأة بجسمي الطليق الهائم ينحصر في زحمة ضاغطة من السواعد

<<  <  ج:
ص:  >  >>