للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[ما غرض التربية في مدارسنا؟]

للأستاذ إيليا حليم حنا

لكل أمة طابع وغرض من التربية. فما هو طابعنا الحالي؟ وما الغرض العام المرسوم للتربية عندنا؟ الحقيقة لا طابع ولا غرض لنا إلا إعداد أطفالنا وشبابنا للامتحانات لينجحوا ويحصلوا على الشهادة التي تمكنهم من النزول في معترك الحياة ليرتزقوا ويعيشوا. هذه غاية التربية في مدارسنا، وقد مضى هذا الهدف على كثير من شبابنا المتعلم أن يموت فكريا لأنه لا يتابع سير تفكيره بعد أن يتخرج في معهده أو مدرسته. ونجد أن أصحاب المهن الفنية من شبابنا المثقف يعيشون بما يتعلمونه لا يسايرون الزمن في فنهم، ولا ينتجون شيئا جديدا في ميدان الخلق والابتكار. إننا في حاجة إلى نوع العلم الذي يتيح للمواهب الفردية أن تنمو تبعا لطبيعتها، ويكفل لكل طفل الأحوال التي تتمكن فيها فرديته من النمو إلى أكمل حد مستطاع ونزوده مع ذلك بالثقافة التي تجعله منسجما مع المجتمع. يجب أن نقلب سياسة التربية الحالية رأسا على عقب، ونوقف نظام صب القوالب وحشو الرءوس. إننا الآن لا نراعي الفروق الفردية والميول المختلفة؛ بل نصب أطفال الفرقة كلها في قالب واحد.

لقد بدت في الأيام الأخيرة ظاهرة يجب أن يهتم بها رجال التربية أشد الاهتمام، وهي تفشي داء الغش بين الطلبة والطالبات في جميع مراحل التعليم والسبب الأول لهذا الداء الخلقي الوبيل هو أن ما يتعلمه الفرد عندنا لا يناسب الميول والقوى الكامنة، وأن الهدف الذي يهدف إليه المتعلم هو الشهادة وليس العلم لذاته، وفي هذا أكبر دلالة على أن مناهجنا الحالية فاشلة في توجيه أبنائنا نحو حياة اجتماعية خلقية شاملة وشخصية متكاملة.

وهناك ظاهرة أخرى هي كراهية الشباب لمعاهد التعليم، وللقراءة بعد التخرج. ذلك أيضاً لأننا لا نراعي ميولهم التي هي النواة الحية ونقطة الابتداء والأساس لتربيتهم في مراحل التعليم المختلفة. إن كل اهتمامنا موجه إلى ملء الإناء الفارغ إننا نملأ الرءوس استعدادا للامتحان؛ المدرس يجاهد لإدخال المعلومات؛ والطالب يكافح لإتقانها حتى يفرغها على ورقة الامتحان ويخرج وقد شعر براحة لأنه قد تخلص مع عبئه الثقيل. وقراءة سطرين في كتاب بعد تخرجه تجعله يشعر بالسأم والملل، وهو إن أراد أن يقضي على أرقه في

<<  <  ج:
ص:  >  >>