للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[عودة الأبطال]

اليوم يعود أبطال الفلوجة إلى أحضان الوطن المنجب الحاني، فيلقاهم لقاء المعجب المزهو، وفي يمناه أكاليل الغار للجباه المرفوعة، وفي يسراه أوسمة الفخار للصدور الجريئة. ثم يقبل بلبه على حماة العز وأباة الذل وسقاة المنون ويقول لهم بألسنة الجموع الوافدة من كل إقليم، الحاشدة في كل طريق، الهاتفة في كل مكان: مرحى! مرحى! لله غرس زكا ونشأ كرم وشباب عز! لا تزال مصر كنانة الله مادام ثراها طيبا ينبت هذه الأجساد، ونيلها ظهورا ينشئ هذه الأرواح، وجوها صافيا يبدع هذه الشمائل!

كانت هذه البطولة المثلية النادرة لجيش الوادي مكظومة في نفوسه الكبيرة، لا تجدها متنفسا ولا مفِيضا من سوء الحال ومكر الاحتلال حتى ظنت به الظنون، وطارت حوله الريب، وقال المرجفون من ذئاب الاستعمار وأذناب المستعمر: إن مصر كالحسناء المشتهاة، جمالها يغرى بها ولا يدفع عنها. فلابد لها من زوج قادر يضمن لها المصير، ويذود عنها المغير. وأوهموا الناس أن جنودنا دمى للزينة، وأسلحتنا لعب اللهو. وساعدهم على هذا الإفك حكومات كنواطير الكرمة أقامها الثعلب ليخدع بها غيره. ثم أخذ يعبث في العنب ولا يخاف، ويجأر بالضباح ولا يبالي! حتى أراد الله للسر المكنون أن يذيع، وللكنز المدفون أن يظهر، فقيض لهما رجل الأمة النقراشي. وحانت محنة فلسطين، فألفى الرجل العظيم في وطيس الحرب بالجوهر الأصيل والمعدن الحر، فثبت على النار كما يثبت الذهب المصفى على المحك.

فلله يوم ذوَّب الغشَّ نارُه ... فلم يبق ألا صارم أو ضُبارم

تقطعَ مالا يقطع الدرع والقنا ... وفرَّ من الأبطال من لا يصادم

وبقي المعدن المصري وحده في البوتقة! وقال الغريب: إنها فرصة تبعث بيني وبين مصر المعاهدة المقبورة. وقال القريب: إنها محنة تكفكف قليلا من غلواء مصر المغرورة! وقال جيش الفاروق: لا هي فرصة، ولا هي محنة، وإنما هي نشيد جديد من ملحمة البطولة التي لا تزال تنظمها مصر. ووقف من قواد روسيا وجنود صهيون وأسلحة أوربا وممالأة أمريكا ومخادعة إنكلترا، موقفه الخالد، فيخيب آمال العدو، وكذب ظنون الصديق!

وكانت الفلوجة بؤرة النار وقطب المحنة: احتشدت لها جموع اليهودية وأوربا الشرقية مدربة مجهزة، وأحدقت بها قواها البرية والجوية مجمعة مركزة، وتفجرت عليها قذائف

<<  <  ج:
ص:  >  >>