للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من قراءتهم تعرفونهم]

للأستاذ عباس محمود العقاد

بين المطالعة والتدخين مشابهة قريبة في خصلة واحدة، وهي أن المدخن الأصيل في ذوق التدخين يستطيب صنفاً واحداً من التبغ لا يساوي به صنفاً آخر. بل قد يتساوى لديه الإقلاع عن التدخين بتة وتدخين صنف آخر غير الذي تعوده واستراح إليه

وكذلك القارئ المطبوع، يتوشج مزاجه على صنف واحد من القراءة يوائمه ويتصل النسب بينه وبين عقله وخلقه وهواه. فإذا عرفت الكتاب ومؤلفه عرفت القارئ ومزاجه، أو عرفت على الأقل أن إقباله على طراز آخر من المؤلفين بعيد، وأن اعتكافه على نمط آخر من التأليف عجيب

وكل قارئ بينه وبين مؤلفه وكتابه نسب في الذهن وصلة في الموضوع؛ فهو القارئ الذي يقرأ بقلبه ويعيش في صفحات كتابه، وليس بالقارئ الذي يعبر الصفحات والساعات للتسلية وتزجية الفراغ، ثم ينسى ما كان فيه وينتقل منه إلى نمط آخر من التواليف بينه وبين النمط الأول مسافة شاسعة في عالم الفهم أو الشعور

ويصدق هذا المعنى على قراء الشعر والقصة وما إليها من مبدعات الحس والخيال، ولكنه أقل من ذلك صدقاً على سائر الموضوعات

ذكرت هذه الحقيقة حين قرأت في أنباء الغزو في نورمندية أن القائد المعروف في مصر (برنارد مونتغمري) يقضي أوقات فراغه بالميدان في قراءة روايات القصصي الإنجليزي المشهور أنتوني ترولوب

قال المراسل الذي وصف الغزو: (وكان كل يوم ينقضي يزيد التوتر في ديوان القيادة العليا لقوات الحملة المتحالفة. ولكن الجو كان جو سكينة في المقر الشخصي للقواد، وترك مونتي لمرءوسيه الأعمال التفصيلية التي يمقتها، وعكف على مؤلفات أنتوني ترولوب وهو آثر كاتب عنده)

ورسالة كبيرة في ترجمة القائد العبقري لا تنم على أخلاقه ومزاجه وميول نفسه. كما تنم عليه هذه الأسطر القليلة، أو هذه الحقيقة العابرة، وهي ولعه بترولوب وتفضيله إياه على أبناء جيله، ومن خلفهم من القصاص وكتاب الروايات

<<  <  ج:
ص:  >  >>