للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أساليب التفكير]

فلسفة الشعب

للأستاذ عبد المنعم عبد العزيز المليجي

اعتذار:

منذ أكثر من شهرين كنت أتحدث إلى قراءة الرسالة عن الأسلوب الفلسفي في التفكير، وكلي عزم أن أواصل الحديث حتى يكتمل؛ ولكن شئون العيش، وشجون الحياة، وهموم العمل الرتيب، وفوضى المعاملات الإنسانية، تحرم المفكر نعمة التأمل، وتسلبه صفاء الذهن؛ فلا يعود يعمل إلا كما تعمل الآلة ويمضي في غمار الحياة اليومية كما تمضي قطرة الماء في خضم التيار: مسلوب الإرادة، فاقد الوعي، خامد الحس، موزع النفس. وهل من سبيل إلى التفكير المشرق الصافي، ما لم نكن بمنجاة من عمل مرهق يأخذنا من جميع أقطارنا، وما لم نهتد إلى فرجة من وقت نتسلل من خلالها إلى الوطن العزيز: وطن الفكر المقدس؟ والمثل اللاتيني يعزينا بقوله: (عش أولاً وتفلسف بعد ذلك).

لا مفر من الفلسفة:

انتهينا في مقالات سابقة إلى أن أداة التفكير الفلسفي هي العقل بوسائله الخاصة: من تجريد إلى حكم إلى استدلال إلى برهان. ولما كانت هذه الوسائل في متناول كل إنسان - أياً كان ذكاؤه وأياً كانت ثقافته - لم يكن مناص من أن يتفلسف الناس جميعا، وإن كانت الانفعالات والأهواء تتدخل أحياناً فتفسد ملكة الحكم السليم، وتطمس إشراقة الذهن، فليس ذلك بمنك وجود القدرة على التفكير الخالص. إن ومضات الفكر قد تنبثق في لحظات لدى أجهل الناس، كما أن ضياء العقل قد تكتنفه سحب الانفعال أحياناً لدى أعمق المفكرين. وقد كان إمامنا سقراط يؤكد هذا المعنى فيخاطب العامة والخاصة على حد سواء، ويدعو إلى فلسفته في عرض الطريق، وفي الأسواق، وفي أروقة المحاكم كان يناقش الصبي الغرير، واليافع البحاثة، والمثقف المتحذلق، موقناً أن الجهل عرض زائل، وغشاوة تنجاب بشيء من الجهد والاخلاص، حتى ليذهب إلى أن الصبي يمكنه بقليل من التوجيه والارشاد، أن يستنتج جميع مبادئ الهندسة التي وضعها أقليدس الرياضي. وكان منهج ديكارت (أبو الفلسفة

<<  <  ج:
ص:  >  >>