للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[معارضات القرآن]

للأستاذ علي العماري

قرأت في بعض المجلات لعالم فاضل تحت هذا العنوان، وقد تحدثت عن ابتداء المعارضات، وإنها كانت من قوم لم يكن ينتظر صدورها منهم، وإن القرشيين - وهم أرباب الفصاحة والبلاغة - لم يحاولوا المعارضة؛ لأنهم خافوا أن يقولوا فيفتضحوا، ولكن بعض المتنبئين تجرأ فعارض القرآن، وذكر الكاتب من هذه المعارضات قول مسيلمة الكذاب: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين. وقوله: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاء وغشا. ثم قال فهو في المعارضة الأولى يخاطب الضفدع كأنها مخلوق من تعالى فيريد أن يضع من أمرها، ويحط من شأنها، والضفدع مخلوق ضعيف لا يتعالى ولا يتكبر؛ فخطابه بهذا لا يطابق حاله، ومن شرط البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وهو في المعارضة الثانية لا يأتي من دقائق القدرة ما يتعالى إدراكه عن البشر كما قال تعالى في القرآن الكريم (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب).

وقد لفت ذهني في هذا الكلام آمران:

أولاً: إنه يسوق هذه المعارضات سوق القضايا المسلمة، والأمر فيه نظر - كما يقولون -.

ثانياً: إنه يزيف هذه المعارضات مستنداً إلى أمور معنوية دون النظر مطلقاً إلى الأسلوب وتهافته، فهو يرد المعارضة الأولى لأن الخطاب فيها غير مطابق لمقتضى الحال، ويرد الثانية لأن ما جاء فيها ليس من دقائق القدرة، ومع إن الأمر لا تقتصر على الناحية المعنوية بل لعل أظهر ما في هذه المعارضات من ضعف هو ركاكة الأسلوب وسخفه، مع ذلك فإن خطاب الضفدع مطابق لمقتضى الحال، لأن قوله (نقي ما تنقين) معناه ارفعي صوتك ما شئت. فإنك لا تستطيعين وراء هذا التصويت الذي يشعر بالجلبة والضوضاء والعظمة ليس وراءهم ما يمكن أن يكون لهم من أثر من تكدير الماء أو منع الشاربين. . .

هذا، وقد كنت أعتقد من زمن بعيد إن هذه المعارضات وأشباهها من افتعالات الرواة، وتفكهات أصحاب القصص، وأضاحيك السمار في المجالس والمجتمعات، وإن العرب

<<  <  ج:
ص:  >  >>