للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[البريد الأدبي]

إلى الأستاذ عبد المتعال الصعيدي

السلام عليكم ورحمة الله، وبعد فقد قرأت مقالكم الشائق في قضية نسب زياد في مجلة (الرسالة)؛ ولقد كنت أرجو وأنا ألمس في أبحاثكم نفوذ النظر وثاقب الفكر أن لا تفوتكم في هذه القضية نقطة وجيهة وذات خطورة، وهي احتمال التلفيق وأثر الحزازات السياسية والحزبية

فمعلوم أن ما وصل إلينا من الروايات في هذه الموضوع وغيره قد دون في عهد الدولة العباسية؛ ومعلوم أن كثيراً مما دون في هذا العهد، مما يتصل خاصة بالدولة الأموية وكبار رجالاتها، قد تأثر إلى حد كبير بتلك الحزازات، وأن الذي ينعم النظر يلمس تعمد التشويه والتسوئ والمبالغة والإعظام قوياً بارزاً

وزياد من كبار رجالات هذه الدولة وموطديها، وقد كان في ولايته للعراق في عهدها صارماً شديداً؛ ثم خلفه ابنه فيها فسار من جهته على غرار أبيه، ووقعت من جهة أخرى في عهده حادثة كربلاء الأليمة التي جلبت عليه نقمة الناس، وانتشرت عنه بسببها أسوأ الأحاديث

فهذا من وجه عام من شأنه أن يدعو الباحثين إلى التحفظ والتوقف والارتياب في رواية نسب زياد واستلحاقه لأن لحمة هذه الرواية وسداها مطعن وغمز وتشويه وتسوئ

ومن العجيب أننا نجد الروايات تغمز نسب عمرو بن العاص بما غمزت به نسب زياد بشكل ما؛ وهو من أعاظم رجال الدولة الأموية وموطديها، ونجدها كذلك تسخف في وصف ظروف ولادة الحجاج وحلقه ورضاعه سخفاً مضحكا، وهو صنو الرجلين العظيمين الأولين في هذه الدولة إلا غمزته في أمانته أو عرضه أو دينه أو خلقه؛ وإنه لمن الحق أن يحمل هذا بوجه عام الباحثين في قضية من القضايا المتصلة بالدولة الأموية وكبار شخصياتها إلى التحفظ والتوقف والارتياب، وأن لا تجعله يكتفي بتوجيه وتخريج الروايات والبحث في نطاقها كأنها قضايا مسلمة

يضاف إلى هذا أنه إذا أنعم النظر في عناصر رواية نسب زياد خاصة ظهر فيها ثغرات عديدة تؤكد قوة احتمال التلفيق وضلع الحزازات السياسية والحزبية كما أشرنا إلى ذلك

<<  <  ج:
ص:  >  >>