للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[العلوم]

نذير وبشير

للدكتور أحمد زكي

كل إنسان يحمل داءه، وكل حي يتضمن فناءه، إن فاته المرض، أدركه الكبر وحسبك بالكبر داء، والخلية الصغيرة من نبات أو حيوان، فيها البروتوبلازم، وهي معدن الحياة، ولكنها كذلك معدن الموت، تظل تنشط ما دبت الروح في الجسم، فإذا فارقته نشطت في التلف، في التفكك والتحلل، بمثل نشاطها في الحياة

وجماعات الأحياء على هذه الأرض كالأجسام تصحو حينا وتمرض حينا، وهي مثلها فيها أسباب الفناء، فهي لكي تفنى ليست بحاجة إلى أن ينقضّ عليها نجم أو تهوي من سمائها شمس، بل إن في الأرض كفايتها من أسباب العدم. والحياة على هذه الكرة رهينة بموازنات شتى بين أجناس الحيوانات والنباتات من إنسانها ودوابها وطيرها وحشرها وجراثيمها وطحالبها وفطرها أو حزازيِّها وسرخسيِّها وبذريِّها، موازنات عماده التقاتل المستمر بين هذه الأجناس جميعا، والتآكل الذي لا ينتهي، فما من قبيل إلا يأكل قبيلا، وما من قبيل إلا يأكله قبيل، وقد يزيد حظ هذا القبيل من الحياة وقد ينقص حظ ذلك منها، ولكن الحياة المطلقة في مجموعها ثابتة في هذا النضال. وهو نضال سجال، لا يغلب فبه غالب كل الغلبة، ولا ينغلب مغلوب كل الانغلاب، إذ لو كان هذا، لاختل التوازن بين جماعات الأحياء، وهو سر استمرار الحياة على النحو الذي نعرفه على سطح هذه البسيطة

والجمعية الإنسانية لا تشذ في ذلك عن جمعيات سائر الخلائق الحية، والتوازن الذي بين الإنسان وبينها لا بد أن يستمر ليعيش هو وليعشنَ هنَّ، فنحن نأكل الحيوان والنبات لنعيش، ونموت ليأكلنا الحيوان والنبات بالتباشر أو بالواسطة، فيعوضا بذلك ما فقدا، ولو أننا أكلنا منهما ثم أكلنا واستمررنا مع ذلك في حياة صريحة لا يخالطها عدم لفني، المأكول ففنى الآكل

إلا أن هذا التوازن قد يختل اختلالا يذهب بجماعة من جماعات الأحياء أو يكاد، وقد حدث في التاريخ أن انقرضت أجناس لا نجد الآن منها غير آثارها. وسؤالنا اليوم هل يجوز على الجمعية الإنسانية ما جاز على تلك الأجناس المنقرضة؟ هل يفسد هذا الاتزان في

<<  <  ج:
ص:  >  >>