للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[رسالة الفن]

٣ - الفن

للكاتب الفرنسي بول جيزيل

بقلم الدكتور محمد بهجت

يرى الفنان كل ما في الطبيعة جميلا

يوجد بمرسم رودان الكبير بمَيْدوُن تمثال صغير على جانب كبير من الدعامة المروعة، استقى مثالنا العظيم موضوعه من قصيدة فيلون كانت الحظية تشع يوماً ما شبابا وجمالا، أما الآن فهي عجوز شمطاء متهدمة تنبو عنها العيون. كانت مختالة فخورة بحسنها وروائها فإذا بها اليوم تُغص بالخجل من بشاعتها.

وهذه ترجمة بعض الأبيات التي ساقها فيلون على لسان الحظية البائسة.

(آه أيها الهِرم المتعاظم الخوَّان، لم أذللتني هكذا سريعاً، ولم أمسكتني هكذا حتى لا أستطيع أن أضرب، فكنت أقضي بضربة واحدة على آلامي).

هنا تبع المثالُ الشاعرَ خُطوة فخُطوة. فتلك العجوز الشمطاء التي تكرش جلدها حتى صار أكثر تكرشا من المومياء تحزن على بلي جسدها. تراها جالسة مقوسة تنظر في يأس وألم إلى ثدييها الذين ضمرا ضموراً يثير الشجن، وإلى جسدها الذي تجعد وتقبض تقبضاً بشعاً، والى ذراعيها وساقيها التي أصبحت عقداء كأصول الكرم أو هي أعقد. وثمت بضعة أبيات أخرى ساقها الشاعر على لسان الحظية أيضاً.

(عندما أفكر بذهن كليل فيما كنت عليه بالأمس، وفيما أنا عليه اليوم، عندما أرى كيف استحلت هكذا: مسكينة بائسة مقددة نحيفة، يتملكني الأسى. أين جبيني الناصع وشعري الذهبي وكتفاي الجميلتان - وكل ما كان فيَّ وقد خلق للحب؟ هذه هي نهاية الجمال الإنساني! وتلكما الذراعان النحيلتان، واليدان المعروقتان، تلكما الكتفان الحدباوان، ذلكما الثديان والعجزان وتلكما الساقان، خفتا وأصبحتا منقوطتين كأنهما المصير المحشو).

وهنا لا نرى المثال يقل إدراكا للواقعية عن الشاعر، بل نرى على النقيض من ذلك أن البشاعة التي يثيرها بهذا التمثال أوقع في النفس من أبيات فيلونِ الجافية. نرى جلدها

<<  <  ج:
ص:  >  >>