للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من أحاديث الإذاعة:]

عيدي الذي فقدته

للأستاذ علي الطنطاوي

يا آنسين بالعيد، يا فرحين به، هل تسمعون حديث رجل أضاع عيده، وقد كانت له أعياد، أم يؤذيكم طيف الشجى إذ يمر بأحلام أفراحكم الضاحكة؟ إذا كنتم تصغون إلى حديثي فلكم شكري، وان انتم أعرضتم عني فما يضرّني إعراضكم، وان من نعم (المذياع) انه لا يدري المتكلم فيه من ينصت له، ومن يَشغب عليه، ولا يسمع مدحا ولا قدحا، وما يرى إلا (العلبة) يكلمها، وما ترد علبة متكلم جوابا. . .

ولا تقولوا إذا سمعتم حديثي. هذا رجل لا يتكلم ألا عن نفسه. فكذلكم الأدباء كلهم؛ لا يتكلمون ألا عن أنفسهم، ولكنهم إذ يصفون أحلامها وآلامها يصفون أحلام الناس كلهم وآلامهم، فهم تراجمة العواطف، وألسنة القلوب، وصدى الخواطر، حتى ليقول القارئ إذ تمرّ به آثارهم: ما هذا؟ أن في هذا التعبير عما أحس به؛ انه وصف لي أنا وحدي. . . وما هو له وحده؛ انه وصف لكل نفس بشرية. . .

إلا ما اعظم فضل الأدباء على الناس! ولكن الناس لا يشكرون. . .

يا سادة: انه كان لي في حياتي عيد واحد، ولكن طمس القدم صورته في نفسي فلا أرى منها إلا ملامح. لقد وجدت عيدي في (صُرْماية حمراء) أصبحت يوما فلقيتها إلى جانب الفراش، وكنا نبسط الفرش، وننام على الأرض؛ لم تكن قد انتشرت هذه الأسرّة وعمت، لم تكن إلا للأكابر، ولقيت معها (قمبازا) من (الألاجة) له خطوط حمر على أديم اخضر كأنه حقل قد نبتت فيه سطور من شقائق النعمان، وعقالا (مقصباً) كأنما قد نسج بخيوط الذهب، يبرق كأنه تاج ملك جديد. وعباءة رقيقة فيها مناطق حمر، وأخر بيض، وحواش من القصب اللماع؛ لها طُرَر مختلفات الألوان. . . تخطف ببريقها النظر.

فلم اصدق أن كل ذلك لي أنا، وسالت متحققا. فقالوا: انه لك، انه لباس العيد. قلت: وما العيد؟ قالوا: العيد. ألا تعرف العيد؟ فلم اعرفه، ولكني قنعت بما وجدت من نعمائه وتخيلته ضيفا جميلا نزل البلد. . .

وذهبنا نبصر العيد، ومشينا في الطرقات، وإذا الوجوه باسمات الثغور، منبسطات القسمات

<<  <  ج:
ص:  >  >>