للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[٣ - أمم حائرة]

نحن والمدينة الأوربية

لصاحب العزة الدكتور عبد الوهاب عزام بك

وزير مصر المفوض بجدة

أعني بكلامي هذا الأمة المصرية أولا، ويتناول الكلام الأمم المشابهة لها المتصلة بها من العرب والمسلمين بما تشابهت أحوالهم فيما ورثوا من حضارة قديمة، وبما تقارب نظرهم إلى الحضارة الحديثة.

طلعت هذه الحضارة على المشرق مع قوم يعدّهم الشرقيون - ولاسيما العرب والمسلمون - أعداء، سجَّل التاريخ كثيراً من حروبهم ووقائعهم، ولم يخل عصر من إغارتهم على المسلمين، أو إغارة المسلمين عليهم، منذ انتشر الإسلام في غربي آسيا وشمالي أفريقية وفي جنوبي أوربا: أسبانيا وجزر البحر الأبيض ثم البلقان.

وظهرت هذه الحضارة والنزاع مستمر، والمعارك دائرة، ولم يغير أصحاب هذه الحضارة من خططهم، ولا عدلوا عن سِيَرهم، بل استعانوا بما أمدتهم به الحضارة الحديثة من علم وصناعة في الغلبة والسيطرة على من عجزوا عن قهرهم وتذليلهم من قبل.

فلم يكن بد أن ينفر الشرقيون، وبخاصة الدول الإسلامية، إذ كانت مجاورة لأوربا، وكانت صاحبة السلطان في آسيا كلها ما عدا الصين، وفي أفريقية - لم يكن بد أن ينفر هؤلاء من الحضارة التي طلعت عليهم بين الحديد والنار على أيدي أعدائهم القدماء، وطلعت مشوبة بكثير مما يخالف عقائدهم وآدابهم وسننهم.

وسرعان ما أيقن المدافعون عن أنفسهم من أهل الشرق أنهم مغلوبون لا محالة إن لم يدفعوا هؤلاء الأعداء الأشداء، بمثل سلاحهم، ويلقَوهم بمثل عددهم، ويكيدوهم بمثل خططهم وتدبيرهم. فلم يجدوا مناصاً من أن يأخذوا من أوربا حضارتها الصناعية على قدر الطاقة وعلى قدر ضرورات الدفاع.

لم تكن هذه الحضارة موضع تردد، إذ دعت إليها ضرورة الدفاع عن الأنفس والأوطان، ولم تكن موضع ريبة لأنها قائمة على قوانين طبيعية لا تختلف في المشرق والمغرب، ولا

<<  <  ج:
ص:  >  >>