للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بجانب مدينة تنجر]

عصر الحرية

للأستاذ إبراهيم البطراوي

التحرر نزعة فطرية تلازم الإنسان والحيوان في مختلف أطوار حياته بدرجات تتفاوت قوة وضعفاً تبعاً لتفاوت مداركه ونوع سلوكه بالنسبة للبيئة التي يعيش فيها الولد هذه النزعة مع الطفل وتبدأ في التعبير عن وجودها بالقدر الذي تستطيعه أعضاؤه من تلبية: فهو حين يمتنع عن ثدي أمه لحظات ألنه أو عدم انسجامه رغم جوعه، وهو حين يركل الغطاء برجلة ويحاول التخلص من ملابسه ومن كل حاجز يكنه أو يحد من حركنه ونشاطه، فإنما يستجيب بهذا السلوك لنزعة الحرية فيه والحيوان حين يفلت من القفص أو الربقة وينطلق مسرعاً في طيرانه أنه أو جريانه، والوحش حين يفترس مريضه إنما يستجيب بهذا السلوك لنزعة الحرية فيه كذلك.

تبلغ هذه النزعة أشدها في أوقات نضوج القوى الجسمية والعقلية بالنسبة للأفراد، وفي أوقات نضوج العمران والمدينة بالنسبة للأمم؛ ولذا تجد دعاة الحرية ومعتنقيها والمتحمسين لها بين الشباب والكهول أكثرها ما يكونون، وتجد أن هذه النزعة في الأمم الراقية المتدينة أظهر ما تكون أيضاً.

ولكن شيئاً واحداً قد فات دعاة الحرية ومعتنقيها على مر العصور منذ طفولته التاريخ إلى يومنا هذا وأقصد به الفهم الصحيح لمعنى الحرية، ولهذا كان وجودهم في كل عهد وجدوا فيه مظهراً من مظاهر التفكك والفوضى، ومقدمة لنهاية عهد وبداية عهد جديد.

الحرية حريتان: حرية طبيعية وحرية ترفيهية؛ فالحرية الطبيعية هي تلك التي تدفع الإنسان دفعاً قويا لالتزام كل سلوك من شأنه أن يحفظ لذلك الإنسان ذاته ودينه وتقاليد وعاداته وكل متعلقات من تحكم الأجنبي واستعباده؛ فهي نوع من الحفاظ أو لدفاع عن الذات لا أكثر.

أما الحرية الترفيهية فعلى النقيض من ذلك، إذ هي مغالاة في سلوك المحافظة على الذات وانحراف بهذا السلوك بقصد النيل من الغير واستباحة ذاته وانتهاك حرمنه والتحكم في تقاليده وعاداته، فهي نوع من الهجوم واسترقاق الآخرين كما يبدو، أو هي نوع من ترف

<<  <  ج:
ص:  >  >>