للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٣ - الصلات الشخصية بالعباقرة]

للأستاذ محمد خليفة التونسي

ومهما يكن من شيء فإنه يحق لنا بعد ما قدمنا (الرسالة العدد٩٤١) أن نتعبر العقائد سواء أكانت دينية أم سياسية أم فنية أم غير ذلك قيما وخصائص فردية وإن تكن ظواهر اجتماعية، فالدين، مثلا - ووظيفته الهداية والإصلاح - قد يعجز عن إصلاح المفسد وإرشاد الغوي، بل قد يزيدهما فسادا وغواية لأن الدين - ومثله كل عقيدة نوعها - ليس من الإنسان في البيئة التي حولها، أو أنه جانب من صورة هذه النفس، فإسلام النبي محمد صورة نفسه وإسلام عمر صورة نفسه وكذلك إسلام أبي بكر وعلي وخالد ومعاوية ويزيد وأب ذر والحجاج، وكذلك إسلام كل منتسب إلى الإسلام سواء أكان صالحا أم طالحا، كريما أم بخيلا، شجاعا أم جبانا، على اختلاف النفوس في الطبائع والأخلاق والأمزجة والمسالك في مختلف البيئات

فالإسلام مثلا دين واحد من حيث هو نظام معقول، أي من حيث يراه العقل، ولكن صورته التي يمثلها لنا محمد عليه السلام تختلف قليلا أو كثيراً عن الصورة التي يمثلها لنا كل واحد من أصحابه وأتباعه والمنتسبين إليه إلى اليوم، وإن كانوا جميعا مسلمين يسلمون بالمبادئ العامة التي جاء بها الإسلام، وما اختلفت صور إسلام هؤلاء جميعا كل عن الأخريات كما تبدو لكل متأمل إلا لاختلاف طبائعهم وأخلاقهم وأذواقهم وسائر ملكاتهم الخلقية والشعرية والفكرية

كل عقيدة من العقائد، وكل دين من الأديان طبعا - إنما هو نظام واحد من ناحية تعقله ليس غير، ولكنه من ناحية الإحساس والعمل به صور مختلفة متعددة بمقدار المنتمين إليه، وما من سبب لهذا الاختلاف والتعدد إلا اختلاف كل إنسان قليلا أو كثيرا عن الآخرين من حيث الطبائع والأخلاق والأذواق وما إليها اكثر من اختلافهم في الفهوم، وإن كان لاختلافها حظ في اختلاف الصور العقيدية، غير انه حظ ضئيل وقد يكون غير واقع، بل قد تكون العقول متأثرة لا مؤثرة ومسوقة لا سائقة خضوعا للأمزجة والبائع، فلا ترى العقول إلا ما تريها هذه، ولا تعقل إلا كما تشاء لها مما تقدر عليه وتريده وتؤخر ضرب الأمثلة الكثيرة لذلك، وحسبنا هنا مثلا النظر إلى عقيدة القدر لم يكن أحد يؤمن بهذه العقيدة ويتوكل على

<<  <  ج:
ص:  >  >>