للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الكتب]

علي الطنطاوي وكتابه

في بلاد العرب

بقلم الأستاذ صلاح الدين المنجد

. . . وهاهو ذا الطنطاوي يخرج كتابه الجديد بعد تردد، وهاهو ذا يلقى بنفسه بين أيدي أهل النقد لينال ما يناله المؤلفون من نقد جارح وتقريظ ناعم، ومن تهجم لاذع ومداعبة لينة. . . ويرمى بكتابه إلى الناس ليقرءوه ويشرحوه، ثم ليطنبوا في مديحه أو يدركوا به ثأراً قديماً لهم، فينالوه بالتعريض. فلنشمر إذن مع هذا الناس ولننقد هذا الكتاب كما ينقد الطائر الأرض لينبش منها حبها وزوانها. ولنحدث الناس عن الطنطاوي الذي يخشى الناس غضبه، ويخافون على أنفسهم منه، ولنلق بأنفسنا بين يديه يتحدث عنا ما يشاء. فقلد تربصت طويلاً، وحاولت أن انقده كثيراً. ولكني كنت في كل مرة أغلب على أمري. أما وقد أخرج الآن كتابه، فلن أبطئ أبداً، فقد ألقى بنفسه بين يديّ، وأصبح كتابه بين عينيّ. وليت شعري أأمن صديقي على نفسه عندما أهدي إليّ كتابه وسألني أن اكتب عنه ما أشاء!. . .

لقد سمرت يا صديقي مع كتابك طول هذه الليالي المظلمة التي فاجأنا بها هذا العام الوليد. وكنت أقرأ فيه فأسمع تلك النغمة الحزينة تارة والطروب أخرى التي كانت تتعالى من سطورك وكلماتك، فتهيج حسي كما أهاجته تلك النغمة التي كان يحدثها المطر وهو يقرع زجاج النافذة، ويتساقط على أوراق الليمون والبرتقال التي هزتها الريح المعولة وروعها السحاب الهتون. والحق إني استمعت إلى نغمتين حزينتين: نغمتك وأنت تصف مآسي هذا الوطن الباكي، ونغمة المطر وهي تحدث الأوراق الذابلة. ثم خرجت من الكتاب وأنا أسيان نشوان، طروب معجب. فاسمح لي يا صاحب الرسالة أن أتحدث عما رأيت وما سمعت

لقد قرأت قولك في مقدمة الكتاب إنك كنت في حرب مع الحياة فذكرت بلدك هذا، وكيف أنكرك، فلقد اعتادت الشام أن تعظم الجاهل الغريب، وتحطم النابغ القريب. فلما رأيت ما رأيت تركت دمشق تبتغي مصراً، فعشت بها أمداً اتخذت فيه من الأماكن والناس أصدقاء

<<  <  ج:
ص:  >  >>