للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[ذكرى ساقية!]

للأستاذ علي الطنطاوي

(. . . . . . كل ما في الوجود يولد ويحيا ويموت:

ألا تمر بالدار ألف مرة فلا تلتفت إليها، ولا تحس بها. ثم ترى فيها إنساناً يتصل قلبك بقلبه، أو يمتلئ فؤادك بحبه، فإذا هذه الدار (تولد) في فكرك و (تنمو) وتزداد لهذا الإنسان حباً، فتزداد الدار عندك حياة؛ ثم ينزح الحبيب عن الدار، فإذا هي (تموت) وإذا أنت تألم لموتها، وتبكي فيها ذكريات لك عزيزة، وماضياً لك حلواً؛ ثم تمحو الأيام هذه الذكر، وتنسيك هذا الماضي، فإذا الدار قد عادت إلى العدم، كما بدأت من العدم، وإذا أنت تمر بها من بعد ألف مرة، فلا تلتفت إليها، ولا تحس بها؟. . .)

من مقالة قديمة

(علي)

هي ساقية صغيرة عرفتها من يوم عرفت الدنيا، تجري في رحبة (الدَّحداح)، في ظاهر دمشق، فكنت أزورها دائماً، وأجلس إليها راضياً وساخطاً، مسروراً ومكتئباً، شجيّ النفس وخليّ البال، فأحدثها حديث سروري ورضاي، وأبثها شجوي واكتئابي، فأجد فيها الصديق الوفيّ، حين عزّ في الناس الصديق، والأخ المخلص حين ارتفع من الأرض الإخلاص؛ وكنت أفرّ إليها كلما نابتني من الأيام نائبة، أو نالني الدهر بمكروه، فأجد فيها عزائي وأنسي، وراحة نفسي. . . فررت إليها أمس كما كنت أفرّ، فإذا الأرض غير الأرض، وإذا الساقية قد عدا عليها الزمن فمحاها، وأقام دار البستاني على رفاتها. . . فجلست على حافتها الجافة، أودّع هذه البقعة الحبيبة إليّ، قبل أن تبتلعها المدينة الضاجة الصاخبة التي ابتلعت ما كان حولها من حقول واسعة، ورياض وجنات، وأشيع حياة لي في هذه الساقية كلها سعادة واطمئنان، عشتها كما تعيش الضفادع، غير أن الضفادع تسبح في ماء الساقية، وتنام على كتفها، وأنا أسبح في ذكرياتي التي أودعتها حافتيها، وآمالي التي رأيتها من خلال أمواهها. . . وهل يعيش ابن آدم إلا في الساقية والطريق، والقمر والمئذنة؟ أليس في كلّ ساقية يجلس إليها، وكل طريق يسلكها، وفي القمر الذي يتأمل صفحته في الليالي البيضاء، والمئذنة التي يرى هلالها من شباك غرفته، أليس في كل ذلك - أثر من نفسه -

<<  <  ج:
ص:  >  >>