للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[صور من العصر العباسي:]

أطباء الخلفاء العباسيين

للأستاذ صلاح الدين المنجد

- ١ -

كان أهل جنديسابور يعنون بالطب. وكان لهم حذق بهذه الصناعة وعلم من زمن الأكاسرة. ذلك أن سابور لما تزوج إبنة القيصر فيليبس بعد افتتاحه أنطاكية بنى لها مدينة على شكل قسطنطينية، وهي مدينة جنديسابور ونقلها إليها، فأنتقل معها من كل صنف من أهل بلدها ممن هي محتاجة إليه، ومنهم أطباء أفاضل. فلما أقاموا فيها، بدءوا يعلمون أحداثاً من أهلها، ولم يزل أمرهم يقوى في العلم، ويتزايدون فيه، ويرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم، حتى برزوا في الفضائل، وصار أناساً يفضلون طريقتهم على اليونانيين والهند، لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم، فرتبوا لهم دساتير وقوانين وكتباً جمعوا فيها كل حسنة. ولم يزالوا كذلك حتى جاءت الدولة العباسية، فأصبح أهل جنديسابور أطباء للخلافة والخلفاء ما عدا قلائل منهم.

وقد كان هؤلاء الأطباء من أهل جنديسابور ينالون منزلة كبرى من كل مكان. وكان وجودهم في بلد ما سبباً لكساد الأطباء الآخرين. وقد ذكر الجاحظ عن أسد بن جاني الطبيب البغدادي أنه أكسد مرة. فقال له قائل: السنة أوبئة والأمراض فاشية، وأنت عالم، ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة. فمن أين تؤتى في هذا الكساد؟ قال: أما (واحدة) فإني عندهم مسلم، وقد أعتقد القوم قبل أن أطبب، لا بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب. واسمي (ثانية) أسد. وكان ينبغي أن أكون صليباً ومرايل ويوحنا. . . وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون (أبو عيسى) (وأبو زكريا). . . وعلى رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود. (وأخيراً) لفظي لفظ عربي، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور.

والحق أن الخلفاء حفلوا بهؤلاء الأطباء. وكانت أسرة بختيشوع ذات مكانة كبرى عندهم، ومنها كان أطباؤهم ووزراؤهم ومنها كان أيضاً الأطباء المحترفون، وأطباء البيمارستانات،

<<  <  ج:
ص:  >  >>