للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[دفاع عن الأدب]

للأستاذ أنور المعداوي.

الأدب الذي أعنيه هنا هو أدب الاعترافات، أو أدب التراجم الذاتية، أو أدب البوح والإفضاء كما يسميه الفيلسوف الإيطالي بندتو كروتشه.

ومن العجيب أنني حين تناولت القلم لأكتب عن أدب الاعترافات، وقعت على رأي لكروتشه يهاجم فيه هذا الأدب هجوما عنيفاً، ويرميه بالتأنث والسفاهة وقلة الحياء والضعف والانحلال!. . ولو أن رجلا غير كروتشه قد أبدى هذا الرأي في مثل هذا اللون من الأدب لما أثار في نفسي شيئاً من العجب أو شيئا من الإنكار؛ ذلك يبدو أمام المتتبعين لنظرياته في فلسفة الفن متناقضاً مع نفسه، مترجحاً بين اليمين والشمال، لا يكاد يستقر على رأي ينادي به حتى يعود فيتحول عنه. . . إن من يقرأ رأيه في أدب الاعترافات منفصلاً عن رأيه في نقد المذهب الأخلاقي في الفن، ليتبادر إلى ذهنه أن كروتشه من أنصار هذا المذهب والداعين له، مع أنه من أكثر خصومه إلحاحا في الخصومة، وإغراقاً في التحامل، وإسرافا في الهدم والتشهير!.

يقول كروتشه في تعليل ازدياد عدد الكاتبات من النساء: وعندي أن علة ذلك الحقيقية هي هذا الطابع الإعترافي الذي اصطبغ به الأدب الحديث، فبهذا الطابع إنما فتحت أبواب الأدب على مصراعيها أمام النساء اللواتي يمتزن بالانفعال والنشاط، فإذا قرأن كتب الشعر لاحظن فيها ما ينطبق على مغامراتهن الشخصية وفواجعهن العاطفية، فلم يصعب عليهن أن يفرغن ما في قلوبهن بدون أن يعنين بالأسلوب (والأسلوب كما قال بعضهم بحق لا يأتي من امرأة). فلئن أصبح للنساء إذن نشاط ملحوظ في حقل الأدب فلأن الرجال قد تأنثوا بعض الشيء من الناحية الفنية؛ ومن علامات هذا التأنث قلة الحياء في عرض مبائسهم، وهذه الحمى من الصدق التي ما دامت حمى فليست صدقا، وإنما هي شيء من التصنع الذي يوصل المرء بالسفاهة إلى اكتساب ثقة الناس على نحو ما فعل روسو لأول مرة). . .!

هذا هواري الفيلسوف الإيطالي في أدب الاعترافات. . . تأنث وسفاهة وقلة حياء، ويزيد على ذلك قوله بأن هذا اللون من الأدب يتسم بالضعف في طريقة التعبير، فهو على

<<  <  ج:
ص:  >  >>