للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأمثال في حياة اللغة]

للأستاذ حامد حفني داود

الأدب العربي بمعناه الخاص ينقسم إلى قسمين: شعر ونثر. النثر العربي صور شتى أهمها: الرسائل الأدبية بأنواعها الثلاثة: الديوانية والعامة والخاصة - ثم التأريخ الفني والقصص - ثم لحوار والمناظرات - ثم المقتضبات والتوقيعات - ثم الحكم والأمثال - ثم الملح والفكاهة

وقد آثرت في هذا المقال أن أتحدث عن (الحكم والأمثال) لما لاحظته فيها من تطور عجيب تخالف فيه فنون النثر العربي سواء في نشأتها وتأريخها

والحكمة في اللغة: القول الجليل ذو المعنى الشريف، والمثل: القول البليغ المقتضب يضرب لشرح أمر أو تفسير ظاهرة أو تأكيد معنى من المعاني. ولا تختلف الحكمة عن المثل كثيرا، وربما كان أخص ما تمتاز به أنها أقدم منه استعمالا وأشرف معنى وأعمق فكراً وأدل على المقصود وأبقى مع الزمن

أما نشأتهما فترجع إلى أحداث قديمة تتعلق بواضعي اللغة أو المتكلمين بها في أقدم عهودها؛ فأكثر الأمثال يعود بنا في نشأته وظهوره إلى العصر الجاهلي، يوم كانت اللغة في عنفوان شبابها، وكادت تنحصر في الجزيرة العربية، والعرب بعيدون عن الأعاجم تقريبا، وقبل أن يختلطوا بهم ويتفشى اللحن فيهم

ولكن من هؤلاء الذين أرسلوا هذه الأمثال؟ لا شك أن هذه الأمثال لم تنزل من السماء أو ينزل بها الوحي. ولو أننا استطعنا أن نصدق أن مفردات اللغة كانت (تلقينية توقيفية) كما يزعم الفقهاء استدلالا بقوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) فإننا نجزم أن أكثر الأمثال - إن لم يكن جميعها - (اصطلاحي)؛ لأنها - كما سنحقق - من صنيع العربي الصراح ووليدة تفاعله المستمر مع بيئته

وربما كان شعراء الجاهلية أسبق من خطبائها إلى هذا اللون من الفن النثري. وقد تعجب لذلك لأن أكثر الأمثال لون من ألوان النثر وليست من باب الشعر. ولكنك لا تلبث أن تقتنع إذا علمت أن العناصر الأدبية وهي: الفكرة والخيال والعاطفة والأسلوب. تتحقق في نفسية الشاعر قبل الناثر. ومن هنا كانت الأمثال أشبه بالشعر المنثور يرسله الشاعر قبل الناثر

<<  <  ج:
ص:  >  >>