للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[قداسة النقد]

لبرناردشو

لا يمكن للحضارة أن تتقدم بلا نقد، ولذلك يجب أن تنقذ نفسها من الركود والتعفن بأن تعلن براءة النقد، ولكن هذه البراءة لا تكون للآراء الطريفة اللذيذة، أو الحكيمة المحترمة فقط، بل أيضاً للآراء التي تصدم من لم يألفوا النقد وتبدو لهم كأنها داعرة أو ثورية أو تدعو إلى الٍزندقة والكفر؛ ولمن يدافع عن إبليس في حق البقاء إذ لعله يكون بشيراً للمستقبل، وهناك صعوبة في التمييز بين الناقد والمعتوه والمجرم، وكذلك بين حرية القول وحرية العمل. فقد يكون من الضرورات الحيوية اللازمة للأمة أن تجيز لأحد الأشخاص الدفاع عن العرى، ولكن قد لا يكون من الصواب أن تترك هذا الشخص يسير وهو عريان في شارع كبير في لندن. وكذلك الحال في كارل ماركس، فإنه كان مقدساً حين كان يكتب ويؤلف في الاشتراكية في قاعة المتحف البريطاني. ولكن لو أن كارل ماركس هذا رفض أن يؤدي أجرة منزله لصاحبه، وأرسلها بدلاً من ذلك إلى وزير المالية، وقتل وكلاء المالك الذين جاءوا لتحصيل الأجرة، أو أطلق الرصاص على المحضرين الذين جاءوا لتوقيع الحجز على أثاثه أو إخراجه من المنزل، لما استطاع أن يدفع عن نفسه حكم الإعدام بالشنق بدعوى حرية النقد. ومعنى هذا أنه لا يمكن للقاضي أن يأذن للناقد بالعمل وفق نقده إلا إذا غير القانون. ونحن ناقصون في التربية المدنية نقصاً خطراً حتى أن كثيراً منا يحسبون أن لهم الحق المطلق في تغيير أخلاق الأمة لمجرد أنهم هم غيروا آرائهم. ومن الناس من لا يفهمون غير المعنى الغامض للاشتراكية ويعتقدون أنها تعني حالاً من الاجتماع ينزل فيه كل إنسان عن كل ما يملك لكل إنسان آخر. ويسألونني من وقت لآخر لماذا أنزل عن ممتلكاتي وأعيش في فقر ما دمت اشتراكياً؟ ومن الناس من يتخيلون أن الاشتراكيين يجب ألاّ يقتنوا السيارات. وقد أوشك بعض هؤلاء أن ينجحوا في أن يجعلوا اقتناء رئيس الوزارة لسيارة خاصة من المسائل العامة التي تستدعي البحث والمناقشة، وذلك حين كان المستر مكدونالد اشتراكياً. ولو أن هؤلاء المعتوهون أدركوا حق الإدراك ما يقولونه لعرفوا أنهم مخطئون حين يفرضون أن الناقد الذي يكره النظام القائم يمكنه أو يجب عليه أن يعيش كما لو كان يعيش في طوباه، أي في النظام الخيالي الذي يتخيله. وذلك أن كل ما

<<  <  ج:
ص:  >  >>