للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الحركة الفكرية لشباب العرب]

خبا بريق الثقافة العربية بعد أن بلغت أوجها في القرون الوسطى عقب غارة التتار على البلاد العربية.

وقد قال جوستاف لوبون: (إن الكلام على الشعب العربي وتاريخه وتألقه وعظمة مدنيته لهو كلام عن شعب كان أكثر من أضاف إلى ميراث المدنية وزاد في ثروة الإنسانية العامة

والمدنية العربية آخر هدية قدمها الشرق إلى الغرب وأكبر مدنيات الشرق أهمية، لأنها نتاج كثير منها، وقد تركت في محيط العلم آثاراً لا تمحى)

حتى إذاكان القرن الثامن عشر وهو عهد تقسيم الإمبراطورية العربية التي طبقت كل البلاد العربية وآسيا الصغرى والعجم والهندستان ومصر وشمال أفريقية وكل أسبانيا تقريباً، عانت الثقافة العربية عهداً طويلاً من الجمود بله القهقري.

فقد غلت سيادة الأجانب ملكات الذكاء التي أوتيها العرب، وقتلت حبهم الشديد للمعرفة، وأضعفت قوتهم المبدعة، حتى إذا كان عام ١٩٠٦ قامت نخبة تسعى إلى إحياء الفكرة العربية وتجديد ثقافتها القديمة. فكانت هذه الحركة الذهنية، هي على أشد ما تكون من المضاء في سوريا، القبس الأول الذي سطع منه عهد الإحياء العربي الجديد، مما كان له دوي في باقي البلاد العربية وصدى عميق في نفوس الشعب الراسف في الجهالة والجمود.

ولقد واجهت هذه اليقظة الذهنية الحركة السياسية التي يقوم بها فتيان الأتراك من أجل (تتريك) كل العناصر غير التركية في إمبراطوريتهم، فكان من أثر هذه السياسة انبثاق وطنية الشبيبة العربية، وبذلك نشأت وطنيتان متعارضتان: العربية والتركية، يقود كلاً منهما شباب الشعبين المثقفون، فنجم عن هذا التعارض بينهما حركة عنيفة أدت إلى تكوين جمعيات تطالب ببعض الحقوق والإصلاح وعلى رأسها شباب الضباط والطلبة الذين تلقوا علومهم في القسطنطينية مما جعل الجامعات مركزاً لوحدة الشباب وألفته.

وصارت وعود الإصلاح التي وعدها الترك لتحسين حال العرب ومن بينها إدخال اللغة العربية في مدارس الأقاليم هباء، فلم يتورع الأتراك عن استعمال كل وسيلة للضغط ومقاومة هذه الكتلة العربية المفكرة مما ألجأ معظمها إلى النزوح إلى مصر التي غدت مثابة للثقافة العربية.

ولقد كان من جراء هذا الخطر الأجنبي توثيق عرى الاتحاد بين شباب العرب الذين

<<  <  ج:
ص:  >  >>