للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[تعقيبات]

للأستاذ أنور المعداوي

مشكلة الفن والقيود

قلنا ونحن نتحدث عن مشكلة القيود في الفن أن هناك قيوداً مرفوضة وقيودا مفروضة. . أما المرفوضة فقد تعرضنا لها بالبحث والمناقشة في العدد (٨٨٥) من الرسالة ونحب أن يرجع إليها القراء. وبقيت القيود المفروضة التي نعود إليها مرة أخرى لأنها محل خلاف بيننا وبين الأستاذ الفاضل علي محمد سرطاوي. وهذا هو بعض ما قلناه:

(في القصيدة الشعرية، وفي اللوحة التصويرية، وفي القطعة الموسيقية، وفي كل عمل يمت إلى الفن بسبب من الأسباب، يحسن بالفنان، بل يجب عليه، أن يكون له هدف. هذا الهدف لا بد له من تصميم، ولا بد له من خط سير، ولا بد له من خطوات تتبع خط السير وتعمل في حدود التصميم. ذلك لأن الفن في كل صورة من صوره يجب أن يعتمد أول ما يعتمد على تلك الملكة التي نسميها (ملكة التنظيم) وكل فن يخلو من عمل هذه الملكة لا يعد فنا، بل هو فوضى فكرية أساسها وجدان مضطرب، وذهن مشوش، ومقاييس معقدة أو مزلزلة. وأبلغ دليل على تلك الفوضى الفكرية في بعض ما نشاهده من آثار تنسب ظلما إلى الفن، هو تلك الحركة السريالية التي هبطت إلى ميدان الشعر كما هبطت إلى ميدان النحت والتصوير والقصة، فعبثت بكل الأنظمة والمقاييس التي تطبع الفن بطابع التسلسل والدقة والوحدة والنظام. مثل هذه الحركة في الفن ليس لها هدف ولا تصميم ولا خط سير، وإنما هي أخلاط من الصور وأشتات من الأحاسيس لا يربط بينها رابط ولا تحدها حدود. وشبيه بتلك الحركة في جنايتها على معايير الذوق وموازين الجمال كل حركة أخرى تمضي بالفن إلى غير غاية، هناك حيث تفتقر بعض الأذهان إلى تلك (الملكة التنظيمية) التي تلائم بين الجزئيات وتوائم بين الكليات، وتفصل ثوب التخيل على جسم الفكرة بحيث لا ينقص منه طرف من الأطراف ولا يزيد. .

نريد من الفنان سواء أكان شاعراً أم مصوراً أم موسيقياً أم كاتب قصة ومسرحية أن يخلق نموذجه الفني على هدى تصميم يرسم أصوله وقواعده، قبل أن يبدأ عمله وقبل أن يمضي فيه وقبل أن ينتهي منه. . نريد أن يكون بين يديه هذا التصميم الفني الذي يأمره بالوقوف

<<  <  ج:
ص:  >  >>