للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[القاهرة في العيد]

للدكتور زكي مبارك

لم يبقى شك في أن القاهرة أجمل مدينة في الشرق، وقد تكون فيها خصائص لا تعرفها باريس ولا برلين. وترجع تلك الخصائص التي تفردت بها القاهرة إلى ما فيها من اختلاف الألوان والأذواق؛ فهي ملتقّى للحضارات الشرقية والغربية، ومجتمعٌ للصحيح والعليل من العقائد والمذاهب. فالمسلمون ألوان، والنصارى أشكال، واليهود أخياف. وفيها مع ذلك ناس لا يدينون بغير التهالك على مطالب الشهوات والحواس

والمدنيّة العنيفة هي ذلك. هي اصطراع الشك واليقين، والغيّ والرشد، والهدى والضلال: وليست المدنيّة أن يهتدي الناس جميعاً أو أن يضلوا جميعاً؛ وإنما المدنية في تعقيد المذاهب، واشتباك العقائد، وتناحر الأجناس. هي تلك الصورة التي توجب أن تقوم الحانة بجوار المسجد، وأن تدق أجراس الكنيسة بين المواخير، وأن تكون في الجامعات أركان يخلو فيها المقامرون، كالذي كنا نراه في أروقة السوربون

تلك هي المدنيّة. فلا تعجبوا إن رأيتم من رجال الدين من يلطخها بالسواد في الخطب والعظات، لأن رجال الدين لا يتمثلون سيادة الفضيلة إلا في مكانين: الجنة والصحراء

وإنما كانت الجنة مجالاً لسيادة الفضيلة لأن أهل الجنة أعفتهم المقادير من النضال في سبيل الأرزاق. والنضال في سبيل الأرزاق هو الأصل في خلق الضغائن والأحقاد وهو الذي بلبل أهواء العالمين فأغراهم بالقتال حول المذاهب الاقتصادية، والمسالك المعاشية.

ومن فضائل الجنة أنها ستبيح الناس جميع ما يشتهون من رغائب الحواس، وبذلك ينعدم القلق الذي يساور أصحاب القلوب والأذواق. ولعل هذا هو السر في خُلوِّ الجنة من الشعراء والكتاب والمفكرين، فما سمعنا أن الجنة ستكون فيها خطب أو قصائد أو مقالات أو مؤلفات، لأن هذه الفنون الأدبية ليست في الواقع إلا صورة من ثورة العواطف والأذواق والأحاسيس، وأهل الجنة أراحهم الله من هذا الجهاد

والبادية مجال لسيادة الفضيلة في رأي أهل الدين لأنها توحي إلى القلوب معاني الزهد والتصوف فينعدم الطمع أو يكاد، وبانعدام الطمع تزول أسباب الدس والكيد والزور والبهتان

<<  <  ج:
ص:  >  >>