للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[السنة وثبوت العقيدة]

للأستاذ محمود شلتوت

منشأ ظنية السنة - التواتر والآحاد - الآحاد لا تفيد اليقين - ندرة المتواتر - الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر وأسبابه - تطبيق

بينا فيما سبق أنه (ليس في القرآن الكريم ما يفيد بظاهره غلبة ظن برفع عيسى أو نزوله فضلاً عما يفيد اليقين) وتمت بذلك النظرة الأولى من النظرات الثلاث التي وعدنا بها

وسنعرض في هذا الفصل للمبادئ التي تنبني عليها (قطيعة السنة أو ظنيتها) ثم نطبق هذه المبادئ على الأحاديث التي زعموا أنها تدل دلالة قطعية على نزول عيسى، وهذه هي النظرة الثانية

وأول ما يجب التنبه له في هذا المقام أن (الظنية) تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة: فقد يكون في اتصال الحديث برسول الله صلى الله عليه وسلم شبهة فيكون ظنيّ الورود، وقد يلابس دلالته احتمال فيكون ظني الدلالة، وقد يجتمع فيه الأمران: الشبهة في اتصاله، والاحتمال في دلالته، فيكون ظنياً في وروده ودلالته. ومتى لحقت (الظنيةَ) الحديثُ على أي نحو من هذه الثلاثة فلا يمكن أن تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وإنما يثبت الحديثُ العقيدة وينهض حجة عليها إذا كان قطعياً في وروده وفي دلالته

ولكي يتضح مناط (القطعية والظنية) في ورود الحديث ينبغي أن نبين ما قرره العلماء في (التواتر والآحاد) ليكون مناراً يهتدي به من يريد الوصول إلى الحق:

قسم العلماء (السنة) إلى قسمين: ما ورد بطريق التواتر، وما ورد بطريق الآحاد. وضابط التواتر أن يبلغ الرواة حداً من الكثرة تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب. ولابد أن يكون ذلك متحققاً في جميع طبقاته: أوله ومنتهاه ووسطه، بأن يروي جمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يروي عنهم جمع مثلهم، وهكذا حتى يصل إلينا، وهو عند التحقيق رواية الكافة عن الكافة

ويقول بعض علماء الأصول: (الخبر المتواتر هو الذي اتصل بك من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتصالاً بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع منه، وذلك أن يرويه قوم لا يحصى عددهم، ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم

<<  <  ج:
ص:  >  >>